لم يعد هناك شك في أن الولايات المتحدة الأمريكية هي صانعة الإرهاب في العالم فهي التي ترعى الجماعات الإرهابية التي تحصد أرواح البشر الأبرياء من دون ذنب في كل بقاع كوكب الأرض، ورغم ذلك تحاول أن توهم العالم من خلال صناعتها الأخرى المسيطرة عليها وهي الإعلام بأنها «بريئة» من صناعتها للإرهاب، وأنه «صناعة عربية- إسلامية» ، وكانت البداية أثناء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي السابق بدعوى أنها «دولة كافرة وتحاول نشر الإلحاد فى العالم وعلى المسلمين أن يقوموا بمحاربتها»، وبالفعل تم تشجيع بعض الجماعات الإسلاموية للذهاب إلى أفغانستان «للجهاد ضد الكفر والإلحاد» بدعم من الولايات المتحدة التي أمدت «المجاهدين» المضحوك عليهم بالمال والسلاح، وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1990، عاد «المجاهدون» من أفغانستان إلى بلادهم العربية والإسلامية ليمارسوا العنف والإرهاب داخلها.
وقامت الولايات المتحدة بصناعة تنظيم «القاعدة» الذي أثار الرعب في العالم على مدى عقدين من الزمن تحول على إثرها أسامة بن لادن إلى أسطورة بواسطة الآلة الإعلامية الأمريكية الجبارة حيث نسب إليه وتنظيمه أكبر حادثة إرهابية في العالم وهي تفجير برجي التجارة العالمية في الولايات المتحدة ذاتها في 11 أيلول 2001 وباستخدام أحدث أساليب التكنولوجيا الحربية، وهو ماأثار العديد من علامات الاستفهام حول قوة وقدرة التنظيم الذي استطاع أن يخترق أكبر منظومة أمنية فى العالم، على الرغم من أن متزعميه- وكما صور لنا الإعلام الأمريكي ذاته- يعيشون في الجبال والكهوف في أفغانستان، وقامت أمريكا بإعلان الحرب على تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن بدعوى أنهم المسؤولون عن الإرهاب في العالم، ورغم ذلك ظل التنظيم موجوداً ومتصدراً للمشهد الإرهابي حول العالم ويصدر يومياً بيانات يتم تداولها عبر الآلة الإعلامية الدولية أنه المسؤول عن كل تفجير يحدث هنا أو هناك. ومع تفعيل وتسريع خطوات «مشروع الشرق الأوسط الجديد» الذي تسعى من خلاله الولايات المتحدة الأمريكية إلى تفتيت وتقسيم المنطقة على أسس مذهبية وعرقية وطائفية وهو ما يستلزم استخدام ورقة الجماعات الإرهابية لتكون عملية التقسيم والتفتيت من الداخل من دون مواجهة مباشرة منها كما حدث في أفغانستان والعراق، حيث استغلت ثغرات ما داخل بعض البلدان العربية وقامت بسكب مزيد من النيران عليها مع الدفع بعناصر مدربة تابعة لها لتقود الشارع لمصلحتها، ثم قامت بدعم الجماعات الإرهابية بالداخل لتمكينها من تنفيذ مشروعها، وهنا اختفى تنظيم «القاعدة» من المشهد الإرهابي العالمي، واختفى أيضا من فوق المنابر الإعلامية التي كانت تقوم بالترويج له، وهو ما يعني أن الولايات المتحدة هي التي كانت ترعى هذا التنظيم وتروج له وعندما انتهت مهمته اختفى من الوجود. وبدأت الولايات المتحدة كعادتها بالاعتماد على القوى الإرهابية القديمة المتمثلة في التنظيم الدولي «للإخوان المسلمين»، وعندما فشل هذا التنظيم في تنفيذ مخطط الولايات المتحدة التقسيمي والتفتيتي للمنطقة بدءاً من مصر وذلك بفضل الشعب المصري وجيشه العظيم الذي أطاح بهم في ثورة 30 يونيو 2013، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بصناعة عدد من التنظيمات الإرهابية الجديدة وأطلقت يدها في المنطقة ودعمتها بالمال والسلاح، فسمعنا عن أنصار «بيت المقدس» في سيناء، و«جبهة النصرة» و«جند الشام» في سورية، لكن سرعان ما اختفت بعض هذه التنظيمات سريعاً وقامت بمبايعة التنظيم الإرهابي الجديد والأسطورة التي صنعتها الولايات المتحدة وروجت لها عبر آلتها الإعلامية الجبارة وهو تنظيم «داعش» الذي أصبح بعبعاً جديداً تخيف به أمريكا العالم أجمع.
ومن المثير للعجب كيفية ظهور هذه التنظيمات الارهابية؟! وكيف تختفي من دون مقدمات؟! فكيف لتنظيم «القاعدة» الذي كانت عملياته ترعب العالم أجمع أن يختفي من الوجود؟! ولم نعد نسمع عنه أي شيء رغم عدم وجود مواجهة حقيقية لمحاربته والقضاء عليه؟!
وبعد أن قامت الولايات المتحدة الأمريكية بصناعة «داعش» في العراق أعطته إشارة البدء للدخول إلى سورية لتنفيذ مخططها التقسيمي والتفتيتي بعد أن فشلت التنظيمات الأولى التي كانت تقود العمليات الإرهابية في بداية الحرب الكونية على سورية في تحقيق ما ترجوه أمريكا وذلك بفضل صمود الشعب وبسالة الجيش العربي السوري.. إذ وجدت أمريكا نفسها بحاجة إلى تنظيم أكبر تقوم بصناعته ودعمه بالمال والسلاح وتضخمه بوساطة آلتها الإعلامية فكان تنظيم «داعش» الذي بدأ ينتقل من مكان إلى آخر حتى أصبح فى لحظة معينة هو المسؤول الأول عن العمليات الإرهابية التي تتم حول العالم، فما من حادثة إرهابية إلا ويعلن متزعمو «داعش» مسؤوليتهم عنها، فهم يمتلكون أسلحة تتفوق على أسلحة جيوش نظامية!.
والسؤال هنا: من الذي أعطاهم هذا السلاح؟! الولايات المتحدة هي أكبر تاجر للسلاح في العالم، ومن مصلحتها استمرار هذا الإرهاب لتستمر تجارتها الرائجة، لأن بعض الدول التي يتهددها الإرهاب تسعى إلى شراء السلاح من الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب والدفاع عن نفسها، وإذا توقف الإرهاب ستتوقف تجارتها، وبالطبع الإعلام أحد أهم أدوات الولايات المتحدة للترويج لبضاعتها وصناعتها الإرهابية، لذلك يمكننا الآن تفسير لماذا بدأت أسطورة «داعش» في الأفول وإعلان الولايات المتحدة الأمريكية انسحابها من سورية بعد فشل مشروعها على الأرض السورية، فبعد أن قضى الجيشان السوري والعراقي على معظم إرهابيي «داعش» اتجهت واشنطن لصناعة تنظيم إرهابي جديد، وآلتها الإعلامية جاهزة للترويج والتضخيم، والعقل الجمعي العالمي المغيب جاهز لعمليات الاستقبال والترديد من دون إعمال للعقل.. اللهم بلغت اللهم فاشهد.

*كاتب من مصر

print