يبدو أن المجتمع التركي يعيش تحولاً مثيراً، فرغم أن النظام الحاكم في تركيا بقيادة الرئيس «الإخواني» رجب أردوغان، لا يزال جاثماً على صدور الأتراك وعلى رأس الحكم منذ 16 عاماً، فإنه وعكس التوقعات، أظهرت دراسة حديثة تراجعاً, لافتاً في نسبة التشدد لدى المجتمع التركي.
وإذا كان أردوغان قد نجح بالفعل في الاستمرار طويلاً في السلطة وتركيز مزيد من الصلاحيات في يده، عبر التغييرات الدستورية الأخيرة، إلا أنه فشل، على ما يبدو، في إعادة بناء مجتمع تركي، يتوافق بالكامل مع تصوراته الإخوانية، فقد كشفت دراسة لمعهد «كوندا» لاستطلاعات الرأي ومقره اسطنبول تراجعاً واضحاً في تشدد الأتراك بشكل عام في سلوكياتهم اليومية، هذا التطور المثير يطرح أسئلة كثيرة حول السياسة الإخوانية لأردوغان وسر عدم تفاعل جزء كبير من الشعب التركي معها.
رئيس النظام التركي لم يخف قط طموحه، ليس فقط على قيادة بلاده سياسياً، ولكن أيضاً ترك بصمته عليها وفقاً لتصوره الخاص، الذي يقوم على إحياء الماضي العثماني وقيم إخوانية من شأنها مواجهة بعض من أنماط الثقافة الغربية، وقد عمل أردوغان على محاولة ترجمة تصوره هذا إلى أرض الواقع عبر توسيع الدعم الحكومي للمدارس الإسلامية، ومن أهم قراراته في هذا الباب رفعه لحظر الحجاب في مؤسسات الدولة التركية عام 2013.
غير أن دراسة معهد «كوندا» لاستطلاعات الرأي، رصدت، بعد عقد ونصف من وصول أردوغان إلى الحكم، تراجعاً في تشدد الأتراك، عبر دراسة واسعة مست 5793 مواطناً في 36 منطقة شملت المدن والقرى، الدراسة أظهرت انخفاض نسبة الأتراك الذين يصفون أنفسهم بـ«المتدينين» خلال عشر سنوات من 54% إلى 51%، أما المتشددون فلم تعد نسبتهم تتعدى عُشر الأتراك.
من شأن نتائج هذه الدراسة أن تزعج حزب «العدالة والتنمية»، ذلك أن الحكومة التركية أنفقت أموالاً طائلة من أجل تحقيق حلم أردوغان بتنشئة ما سماه «جيل ورع»، فقد رفعت وزارة التعليم العام الماضي 2018 من ميزانية التعليم الديني بنسبة 68% ليصل إلى 1,3 مليار يورو.
تتوالى القرارات التي تنشد من خلالها حكومة أردوغان خلق مجتمع مُحافظ متشدد، بشكل يهدّد العلمانية التي لم تفارق توجه الدولة منذ عهد مصطفى كمال أتاتورك، إذ حظر التلفزيون التركي 202 أغنية من البث لأسباب سماها «أخلاقية وسياسية» خلال عام 2017، منها أغانٍ تعود لمغنين مشهورين في البلد.
ويفتح هذا الحظر النقاش حول التغيير الذي بدأ يطرأ على صورة تركيا، إذ كان هذا البلد يوصف بكونه ليبرالياً منفتحاً، وكان هذا شعارها منذ عهد أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، عندما ألغى دولة «الخلافة» العثمانية، وأقام دولة حديثة بعد سنواتٍ من نهاية الحرب العالمية الأولى، لكن المؤشرات الأخيرة تبيّن أن الحكومة التركية الحالية مصرّة على تغيير وجه البلد بشكل مناقض تماماً للعلمانية.

print