لقد وفرت التجارة الحرة للدول المشاركة في منظمة التجارة العالمية كثيراً من الميزات، فقد فتحت باب المنافسة بين كبريات الشركات العالمية العابرة للقارات، موفرة بذلك خيارات من المنتجات للمستهلكين حول العالم وبأسعار منخفضة سببتها الرسوم الجمركية المنخفضة وزيادة المنافسة بين الشركات المصنعة لهذه المنتجات، كما أسهمت التجارة الحرة في نمو كثير من الاقتصادات بسبب سهولة الوصول إلى الأسواق العالمية، وتالياً زيادة الصادرات لديها، والأهم من ذلك أنها أسهمت في جعل كل دولة مختصة في صناعات محددة.. تتميز بها وتقوم بتصديرها لبقية الدول، إلا أن السحر انقلب على الساحر كما يقول المثل، فقد أضرت التجارة الحرة بمهندستها الولايات المتحدة بأشكال عدة، فعلى الرغم من أن الصادرات الأمريكية زادت منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية عام 1994 من 500 مليار دولار إلى 2 تريليون دولار في العام 2016، ولكن وارداتها كذلك ارتفعت من 670 ملياراً إلى 2 تريليون، وبذلك زاد العجز التجاري الأمريكي حسب الاقتصاديين من 150 إلى 800 مليار دولار.
ولكن لم يكن بحسبان واشنطن أن تكون الصين هي من تحصد كل الانتفاعات، فقد بلغت صادراتها 2 تريليون دولار، ووارداتها تريليون دولار في العام 2016 في حين كانت صادراتها 250 مليار دولار ووارداتها 240 ملياراً في العام 2001 لأنها استفادت من سياسة التجارة الحرة، من دون فتح أسواقها للشركات العالمية.
وهي باتباع هذه السياسة تحمي شركاتها المحلية من المنافسة العالمية مقللة بذلك من وارداتها. ناهيك بالحواجز الجمركية التي نصبتها على هذه الواردات، وحين تولى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقاليد الرئاسة أخذ على عاتقه «تصحيح» هذه الأخطاء وانتقد مراراً اتفاقية «نافتا»، مدعياً أنها مجحفة بحق بلده وتوصل بعد فترة طويلة من المفاوضات إلى اتفاقية جديدة مع كندا والمكسيك على هامش قمة العشرين الأخيرة.. ولم تكتفِ واشنطن بذلك وإنما اتخذت أسلوب السياسة الحمائية الاقتصادية الصينية التي انتقدتها طويلاً ما دعم ترامب في هذه الإجراءات الحملة الشعبوية التي اجتاحت العالم في هذه الأوقات سواء كان بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو بمطالبات المتظاهرين في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية.. جميع هذه المؤشرات تدل على أن التكامل الاقتصادي الدولي لم يعد هماً لدول العالم, في زمن التفتت كل دولة إلى نفسها باحثة عن مصلحتها بصراحة واضحة.

print