منذ لامست قدميَّ أرصفة الشام بدأت عقارب ساعتي تسير في اتجاهات لم أعرفها عندما كنت راعياً للنجوم: هي مصارحة تأخذ الفكرة إلى حيث تبدأ الأشياء القديمة بالتلاشي أمامك كأنها في رحلة مقيتة مع العدم، لكن بالمتابعة لخطوات اللغة سوف تدرك أن الحلم يأخذ من المجاز خطوطاً أخرى للسير فيما هو مؤكد بالبديهة من أنه الواقع الذي تبتكر فيه ذاتك مع كلّ خطوة تستقبل فيها شارعاً عصيّاً على الفهم, إذا لم يتحول إلى جملة فعلية تكون فيها أنتَ الفعل والفاعل والمفعول به، بعدها ستصل إلى يقين بأنكَ أنت المدينة، وستعترف لك المدينة بأنها هي لن تخرج عن كونها فكرة من ابتكاركَ، ومن ثم ستخضع هي لظرفيتها، وتكون أنت مطالب بالدفاع عنها ليس كما رسمت لك حدودها الجغرافية بل كعقيدة لا تقبل الجدل إلّا فيما يوحى لها من تطور يتناسب بنيوياً مع المدن الأخرى، قد يرفض داخلكَ -في البداية- الاعتراف بما أمليت عليه من جديد، فقد تعودت عبر العصور أن يكون الوطن مجرد تضاريس تحاصرك بالانتماء -مرغماً- إلى مناخها، وهذا ما كان يُسهِّل عليك الهجرة عند حدوث أي طارئ..
– يقول الشاعر والمفكر الألماني «غوته»: «جميع الأفكار الحكيمة فكروا بها آلاف المرات, ولكن حتى تصبح أفكاركَ حقاً يجب أن تفكر بها مرات ومرات إلى أن تترسخ في ذهنك»..
تتابع السير مع الفكرة، نلتقي معاً في منتصف سوق الحميدية، تسألني عن الزمن الذي يجب أن يُستهلك للوصول إلى شارع «العابد»، أشير لك أن تسير بالاتجاه الذي سيصل بك إلى «باب شرقي»، ومن هناكَ تختار بنفسكَ الزمن الذي ستصل به إلى مبتغاكَ، هي مجرد وجهة نظر تبغضها بداية لأنك على عجلة من أمرك، لكن الشام كانت قدمت لكَ عبر السنوات التي استضافتك فيها الكثير من الإيحاءات التي جعلتك إنسانياً في تقبلك لفكرة أخرى، قد يكون هذا سبباً لجمالها، سبباً لانتصاراتها الدائمة على العدم عبر العصور، سبباً لن يدركه الّذين عجزت سيوفهم عن اختراق سور المدينة، حاضراً، وعبر التاريخ، وهذا ما يجعلكَ تعيد النظر في كلّ ما يحيط بكَ من أكوان، من مدن، من حدود، لتكوينها من جديد ضمن فكرة قابلة للانتصار على من يقومون بالترويج لمستقبل خالٍ من الأفكار..

print