عندما تدلف إلى صالة الفنان التشكيلي السوري عصام درويش (عشتار) التي أسسها عام 1987، تتجاذبك أعمال فنية عدة تتشبث بجدران هذا المرسم، تشف عن تجربة مبدعها صاحب الباع الطويل في ميدان الفن التشكيلي، وتدفعك كل واحدة منها للغوص عميقاً في ألوانها، والتماهي مع قماشها، متسائلاً عن سر فستان بلا جسد يجلس بانهمار على أريكة، وعن مغزى العلاقة بين تفاحة وإجاصة، وعما هي الكلمات التي تتوارى باستحياء على شفاه غضة لزهرة أروم فاتنة، وسط هذه العوالم السحرية المكتنزة بالدهشة تحس بنفسك وأنت تطير متنقلاً من عمل فني إلى آخر وكأنك أمام غابات عذراء تغازل الحيوات المختبئة خلفها مخيلتك دافعةً إياك أن تنبش بعيداً للوصول إلى المعادل الموضوعي الذي قصدته ريشة الفنان عبر تحويلها إلى مشاعر النفس الإنسانية، وما يعتمل فيها من أحاسيس، وينشأ بينها من علاقات حب، أو خيانة، أو جفاء، أو غدر إلى رموز وإشارات حملت في جوفها دلالات عدة.
عصام درويش فنان تشكيلي سوري ولد في دمشق 1952، تخرج في كلية الفنون الجميلة (قسم التصوير الزيتي) عام 1979، عمل في الصحافة السورية حتى عام 2012، أقام وشارك في العديد من معارض الفن التشكيلي داخل سورية وخارجها منذ عام 1977، التقته صحيفة «تشرين» وكان لها معه الحوار الآتي:
• إن المتتبع لأعمال عصام درويش يلاحظ ابتعاده عن الاهتمام بالجانب الشكلي فقط، وميله إلى الغوص في الاتجاهات التشكيلية التي تربط بين تجويد الشكل، والتأثير العميق في النفس.. ما سر الغوص في عوالم النفس البشرية في لوحاتك؟ وما هو تأثير كل من الأدب، وعلم النفس فيها؟
•• من حسن الحظ أننا في الزمن الذي تلتقي فيه مجموعة هائلة من الأساليب الفنية على الصعيد التشكيلي، ولكن على العموم توجد مجموعتان رئيسيتان للبحث التشكيلي: أولاهما تهتم بالجانب البصري، وتتمتع التجارب الجيدة منها بنتائج رائعة ومبهرة، والثانية تهتم بالجانب النفسي إضافة إلى البصري، وقد أنتجت إضافات عظيمة على مدى العقود المنصرمة، وتجربتي غالباً تنتمي إلى المجموعة الثانية على الرغم من الانتقالات العديدة التي تخللتها عبر ما يزيد على أربعة عقود إلا أن الأساس الذي يوحدها مازال قائماً.
أنا كفنان لا أستطيع أن أرسم من دون أن أنقل إحساساً إنسانياً ما إلى لوحتي، حتى وإن كان ما أرسمه هو مجرد شجرة أو تفاحة أو معطف، وقد كان للأدب كبير الأثر في تجربتي الفنية، إذ إنني عبر مسيرتي الحياتية قرأت الكثير من الكتب في الفكر والفلسفة والتاريخ، وطالعت العديد من الروايات خاصة، وأعتقد أن تلك الكتب إلى جانب الكم من التجارب الشخصية هو ما قد صنعني، وأثّر كثيراً في عملي الفني، لذلك يمكنني القول، ومن دون تعصب، إن الحس الإنساني العميق، إضافة إلى الخبرة التقنية العالية هما ما يجعل العمل الفني مؤثراً وخالداً.
• ثمة من يقرأك كالتالي: لا يمكننا أن نعد عصام درويش فناناً سريالياً تماماً، ولا واقعياً تماماً، ولا تجريدياً تماماً. كما أن ذائقته الجمالية تميل إلى تيار ما بعد الانطباعية الذي أعجب بلوحات رساميه فكان تنقيطياً في واحدة من مراحله الفنية.. والسؤال: أين استقرت لوحة درويش أخيراً؟
•• لست سريالياً تماماً، ولا واقعياً تماماً، كما أنني لست تجريدياً أبداً، وذائقتي لا تميل إلى تيار ما بعد الانطباعية على الرغم من أنني استفدت تقنياً من تجارب أحد رواده «سوراه» الفرنسي. لقد عملت طويلاً وفي ذهني «الواقعية السحرية» وفي الوقت نفسه الذي راقتني فيه، أطلقت على تيار أدبي يُعد الروائي الذي أحب «غابرييل غارسيا ماركيز» أحد أعلامه، إنني الآن أستطيع أن أرى «الواقعية السحرية» في الأعمال الجيدة لعدد من الفنانين الذين يجمعهم تجويد الشكل، والبحث بعمق الإنسان، والأجواء الخاصة التي تحس معها بالغرابة. أما فيما يتعلق بلوحتي الفنية فإنها حقيقة لم تستقر بعد.
• قلت في أحد حواراتك: «إن الفن ما زال حاجة إنسانية على صعد التمتع الجمالي، والكشف الجواني، والتعبير الإنساني العميق، وهو طريقة من طرق رؤية الإنسان لنفسه…».
هل ما زال الفن في رأيك يمثل هذه الحاجة الإنسانية؟ وما هو دوره الآن في ظل هيمنة الآلة، وطغيان العوالم الافتراضية؟
•• سبق أن أعلنت وفاة الفن في العديد من التحليلات النقدية، والاجتماعية، إلا أننا رأينا دائماً أن الفن ينهض بعدها من جديد غنياً، وأكثر تألقاً، إن الفن حاجة اجتماعية أساسية، ولأنه كذلك فهو لن يموت، يمكن له فقط أن يتطور ويختلف ويظهر بأشكال جديدة، وعلى الرغم من كل التطور العلمي والتقني الذي يشهده عالمنا المعاصر الآن إلا أن الإنسان ما زال بحاجة إلى التمتع الجمالي، واكتشاف نفسه بطرق غير مادية، ومن هنا تنبثق الحاجة إلى الفن.
• كيف أثرت الحرب الشعواء التي شنت على سورية في السنوات الماضية في فن عصام درويش؟ كما أسألك عن العنف والبشاعة التي تحتفي بها لوحة الحرب اليوم؟ وهل تستقيم البشاعة مع المتعة الجمالية التي على العمل الفني توفيرها؟
•• أحدثت الكارثة السورية تحولاً كبيراً في وجداني وأعمالي، فقد استيقظت في هذه المأساة غير المسبوقة وحوش كثيرة، وقد أنتجت خلال رصدي لمجرياتها عدداً كبيراً من الدراسات والأعمال التي ركزت في معظمها على الانطباعات التي خلفتها الحرب على وجوه البشر في هذه المنطقة الجغرافية الموجوعة، وأسبغت على هذه المجموعة من الأعمال اسم « وجوه عربية معاصرة». وهنا أستطيع أن أقول لك: إنني على الرغم من كل البشاعة الناتجة عن هذه الحرب، لم أتخل في أي لوحة منتجة في هذه الفترة عن إيماني بالجمال، انطلاقاً من قناعتي أنه يمكننا أن ننتج عملاً يتحدث عن بشاعة الحرب من دون أن ندفع مشاهده إلى الهرب، فنحن، في النهاية، فنانون، ولسنا مخرجي أفلام وثائقية عن المآسي، كما أن العمل الفني ليس تصويراً مباشراً للكوارث، وإنما هو موقف تجاهها يخضع إلى التحليل والقيم التشكيلية.
• لاحظنا أن كلاً من مرسم فاتح المدرس، وغاليري عشتار اللذين تديرهما استقبلا مؤخراً أعمالاً لفنانين ينتمون إلى أجيال فنية مختلفة.. ما رأي عصام درويش في تجارب الفنانين الشباب التشكيلية والعلاقة بين الأجيال؟
•• في المحترف التشكيلي السوري هناك تجارب مهمة جداً لفنانين ينتمون إلى أجيال مختلفة، وأعتقد أن هزات كبيرة مثل ما حدث ويحدث في سورية لابد من أن تكون له انعكاسات على الأعمال الإبداعية، وهو ما نراه في بعض تجارب الفنانين المخضرمين، وبعض التجارب المهمة للفنانين الشباب؛ ولكن هل دخلت مرحلة الحرب إلى أعمال الجميع؟ هذا مستحيل طبعاً، فالأمر عند البعض قد يحتاج وقتاً طويلاً أحياناً لاستيعاب ما يحدث، والخروج بتلك الصرخة من الداخل، والمترجمة على شكل عمل فني، في حين يظل البعض على أساليبهم المعتادة وكأن شيئاً لم يكن.
أما بالنسبة إلى غاليري عشتار، ومرسم فاتح المدرس فقد كانت إعادة النشاط إليهما بعد سبع سنوات من التوقف مؤشراً على عودة الحياة شبه الطبيعية إلى البلد، وإسهاماً بسيطاً، ربما، في هذه العودة، حيث شهدت إعادة النشاط إقبالاً منقطع النظير، وغير متوقع أبداً.
• كيف يرى عصام درويش المشهد التشكيلي السوري اليوم؟
•• طفت أثناء الحرب على سورية بعض التجارب الغثة نظراً إلى ظروف هذه الحرب، وغياب المعارض، وهجرة الكثير من الفنانين الجيدين هرباً من أتونها، أو انكفائهم نتيجة ظروف كثيرة مختلفة. الآن وفي ظل عودة جزء من التوازن تبرز التجارب الجادة، وتنكشف الأعمال الغثة.. إن العملية ستكون طويلة ومعقدة ولكن في النهاية ستثبت الأعمال الفنية الجيدة نفسها، وستنسحب الأعمال الأخرى إلى مكانها الطبيعي.
• تمت في 3 تشرين الأول الماضي إعادة افتتاح غاليري عشتار بمعرض لعشرة فنانين حمل عنوان (ضوء الجسد)، كما عملت مع زوجة الراحل فاتح المدرس بدايةً، ثم مع ابنته رانيا على إعادة الحياة التشكيلية.. ماالذي تريد إيصاله من كلا الصالتين، وهل يختلف محتوى كل صالة عن الأخرى؟
•• حاولت عبر افتتاح غاليري عشتار بمعرض لعشرة فنانين، خمسة منهم من الفنانين الراحلين، وخمسة من الأحياء تحت عنوان «ضوء الجسد» أن أبعث برسالة مهمة مفادها أن الأجيال المختلفة من الفنانين السوريين منذ بدايات القرن العشرين، وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين ما زالت ترسم الجسد العاري، إنها تقاليد فنية عريقة تكشف المحتوى المعتدل للمجتمع السوري، وكنا قبلها قد عرضنا عدداً مهماً من التجارب الجادة في غاليري مرسم فاتح المدرس للإضاءة على الفن الأصيل الذي ينبثق بعد ظلام الكارثة السورية إلى النور، وللصالتين، بالتأكيد، دور واحد في سبيل المحافظة على إيصال مستوى معين من الفن إلى الناس.

طباعة

عدد القراءات: 8