يميل بعض الأدباء الى البكاء والأنين والتأسي على ما فات ويبدعون في إنتاج أحاديث الحزن والمآسي, ورغم أن مجتمعاتنا تضج بقصص الأسى والعبرات إلا أن شيئاً من الفرح والابتسام والتفكه يليق بفنون الشعر والأدب ولاسيما في عصرنا الحالي الذي بات يقبع وسط داجيات الظلام التي سودت القلوب بسواد أفكار وأسراب الظلاميين الذين مروا من هنا وما أجدرنا بتتبع آثار مبدعينا من الأدباء الذين صنعوا الفرح رغم أحزانهم الخاصة والعامة كعميد أدب الفكاهة والتندر الجاحظ الذي عرف عنه خفة الروح وميله إلى الهزل والفكاهة . يقول الجاحظ ساخراً من نفسه ومن مجتمعه: «ذكرني بعض الناس للخليفة المتوكل لكي اعلم أبناءه الآداب، فلما رآني استبشع منظري وأشفق على أولاده من قبحي، فأمر لي بعشرة آلاف درهم ثم صرفني»! عرف عن الجاحظ حبه الشديد للقراءة والكُتب، فهذا ياقوت الحموي ينقل قولاً لأبي هفَّان، وهو من معاصريّ الجاحظ، يقول فيه عنه: «لم أر قطُّ ولا سمعت من أحبَّ الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنَّه لم يقع بيده كتاب قَطُّ إلا استوفى قراءته كائناً ما كان ولا عَجَبَ إذ ذاك في أن يُفْرِد الصَّفحات الطِّوال مرَّات عدَّة في كتبه، للحديث عن فوائد الكتب وفضائلها ومحاسنها». وذُكر عنه أنه كان يعطي الوراقين مالاً من أجل أن يتركوه في دكاكينهم ليلاً يقرأ الكُتب حتى الصباح. ولقد عاش الأديب الجاحظ على تأليف الكُتب وبيعها بعد نضوجه وبروزه وشهرته التي بلغت المشرق والمغرب, يقول الجاحظ في هذا «من لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب ألذّ عنده من إنفاق عُشَّاق القِيان، والمُسْتهترين بالبنيان، لم يبلغ في العلم مبلغاً رضياً»، وقال في موضع آخر يوضح فيه كيف كان يكسب المال من وراء مؤلفاته: «أهديت إلى محمد بن عبد الملك كتاب (الحيوان)، فأعطاني خمسة آلاف دينار, وأهديت كتاب (البيان والتبيين) إلى أحمد بن أبي دؤاد، فأعطاني كذلك، وأهديت كتاب (الزرع والنخل) إلى إبراهيم الصولي، فأعطاني مثلها. فرجعت إلى البصرة، ومعي ضيعة لا تحتاج إلى تحديد ولا إلى تسميد. من كلام الجاحظ: «المنفعة توجب المحبة، والمضرة توجب البغضة والمضادة عداوة، والأمانة طمأنينة، وخلاف الهوى يوجب الاستثقال ومتابعه توجب الألفة. العدل يوجب اجتماع القلوب والجور يوجب الفرقة, حسن الخلق أنس والانقباض وحشة. التكبر مقت، الجود يوجب الحمد، والبخل يوجب الذم، التواني يوجب الحسرة، والحزم يوجب السرور، والتغرير ندامة، ولكل واحدة من هذه إفراط وتقصير؛ وإنما تصح نتائجها إذا أقيمت حدودها؛ فإن الإفراط في الجود تبذير، والإفراط في التواضع مذلة، والإفراط في الغدر يدعو إلى أن لا تثق بأحد والإفراط في المؤانسة يجلب خلطاء السوء, ومن كلام الجاحظ في طلبه للعلم وعشقه للقراءة: «إني لا أعلم شجرة أطول عمراً، ولا أطيب ثمراً، ولا أقرب مجتنى من الكتاب، العلم الحق لا يؤخذ إلا عن معلم، فقد تتلمذت على أيدي كثير من العلماء، وأغتنى فكري من الاتصال بهم في حلقات العلم المسجدية، صحيح أني لا أتفق مع بعضهم، إلا أني أقر بفضلهم جميعاً». إن الأدب الحديث أصبح في كثير من المواقع غريباً عن مجتمعه وله نكهة غير مستساغة وحبذا لو يعود أدباؤنا إلى أمات الكتب والتراث الغني ليجدوا كنوزاً حقيقية لم يبلغها بعد حتى أشهر أدباء الغرب!!.

print