من المعروف أن المقالات والكتب التي نشرت حول فلسفة هيوم كثيرة جداً لكنها في أغلبها كانت ذات طابع عام ولم ينل الجانبان النقدي والمنطقي من فلسفته إلا اهتماماً ضئيلاً بالمقارنة مع الجوانب الأخرى وغالباً ما يكتفي المهتمون بهيوم بالقول إن هذا الفيلسوف قاد التجربانية الكلاسيكية إلى الإفلاس وانتهى بتبني الشكانية وبحسب الوضعانيين الجدد كان بإمكان هذه التجربانية أن تنتهي إلى نتيجة أكثر ملاءمة مع بعض مبادئ هيوم نفسها..

لكن “الوضعانيين المناطقة” قبلوا التوجه النقدي لفلسفته وقبلوا نتائجه الوضعانية وإذا ما أردنا التعرف على الإبستيمولوجيا الهيومية فإنه بالإمكان الرجوع إلى كتابين أساسيين لهيوم هما بحث حول الطبيعة البشرية والثاني تحت عنوان بحث حول الفهم البشري حيث يتناول في هذين الكتابين قضايا إبستمولوجية محضة ويمكن اعتبارهما المصدرين الوحيدين لإبستمولوجيا هيوم.

وبالطبع إن الباحث سيلحظ من خلال قراءته أنه لا وجود فرق جوهري بين هذين الكتابين وهيوم نفسه يشير إلى هذا الأمر في التمهيد الذي افتتح به كتابه بحث حول الفهم البشري لكنه تمنى أن يكون كتابه بحث حول الفهم البشري هو المعبر الحقيقي عن آرائه الفلسفية وفي نفس المكان يتحفظ بعض الشيء عن الاعتراف بالعمل الذي قام به وهو شاب والمتمثل في كتاب بحث حول الطبيعة البشرية..

على أن المنهج الذي اقترحه هيوم بعد كتابه الثاني فهو المنهج التجريبي وخاصة الملاحظة الاستبطانية للظواهر الذهنية والملاحظة الموضوعية للسلوك البشري ومعنى هذا أنه حاول بناء سيكولوجيا تجريبية ولكن عندما تتم قراءة هيوم بشكل جيد يمكن القول إنه لم يمارس التجريب المنظم بالمعنى العلمي للكلمة فنوع الملاحظة التي تميز بها منهجه لا تتوجه إلى الإنسان في خصوصياته بل إلى السلوك البشري بشكل عام وهذا النوع من الملاحظات يمكن أن يمارسه أي شخص وإضافة إلى ذلك فإنه عندما تحدث عن علم الإنسان فهو قصد من ذلك كل أنواع الأنشطة البشرية باعتبار أن علم الإنسان تشترك فيه كل العلوم الأخرى.

print