دعاها صراحةً لتكون فاتحة سحاب، وطلب منها لاحقاً أن تكون عشبه الممتد إلى مالانهاية، عشباً لم يعطه أي صفة بل ترك التأويل مفتوحاً أمام القارئ يصول ويجول بين الحروف والكلمات والسطور الطافحة بالحب والشوق وشموخ سنديان هذه الأرض الطيبة التي فرشت الحسن واحتضنت الهوى فكانت رفيقاً دائماً للشاعر منذر حسن في دواوينه الخصبة وقصائده المخضرة كالتي نقرؤها في ديوانه «دنيا»، والتي دفعتنا للتساؤل عمّا إذا كان على الشاعر أن يعيش الحب دائماً ليكتب الغزل؟ وفي حال غياب الحب واتكائه على خياله، أي القصائد تكون الأكثر قوة تلك التي توثّق مشاعر حقيقية أم تلك المتخيلة؟ يجيب حسن: ديوان «دنيا» كان محاولةً لمقاربةِ الحلم، لم تكن حبّاً، بل كانت خلاصةَ مرحلة التسعينيّات، إذا نظرنا إلى عنوانها وعنوان المجموعة الأولى «شموخ السّنديان» كم سيبدو متَّكِئاً على الموروث في وجدانِ ذلك الفتى العشريني، مع ذلك فإنّ قصص الحب الصّغيرة تلك، والتي تبدو الآن أقرب لخيالِ عاشق، هي أجمل ممّا كُتبَ عنها.
في الديوان ذاته نتوقّف ملياً عند فلسفة الشاعر في الحياة والترحال والحب أيضاً، لكن متى يمكن للشاعر أن يكتب في فلسفة الحياة؟ هل يرتبط الأمر بالعمر أم بالخبرات أم بالثّقافة؟ وما الذي يتطلبه هذا الموضوع من الشّاعر لكي يتقنه ويقدم الأفضل في زمن ربما تراجع فيه قرّاء الشعر الصوفي؟ يوضّح حسن: فلسفةُ الحبّ والحياة والتّرحال عناوين كبيرةٌ تتغيّر محاكاتها مع تغيّر البُنى الثقافيّة ومع تطوّرها، امتلاك الرّؤية هو العاملُ الأهم، وكلّما كان الشاعر ممتلكاً أدواتِ القصيدة، كان مهيّأً لامتلاك حرّيته، فقط يجب عليه ألّا يقبع في أسرِ أيِّ إيديولوجيّةٍ نافقة، مضيفاً: «دنيا» هي المجموعة الثالثة وأظنّها كانت محاولةً مبكّرة لي للانعتاق من السائد، والبُعدُ الصّوفي في نصوصها لم يكن أكثر من محاكاةٍ غير واعيةٍ لذاكرتنا الجَمعِيَّة، لعلّ الشّعر الصوفيّ كان أوّل محاولةٍ للتجديد، ومسيرةُ تطوّر الشّاعر قد تشبه مسيرة تطوّر الشّعر، نحن عشقنا كبار الماضي كأبي تمّام والمتنبي، وفي بداية القرن العشرين بدأت محاولات التجديد على يد شعراء كبدر شاكر السياب ونازك الملائكة، لاحقاً ومع مجدّدين كبار ابتدأت فكرة الحداثة، بالمقارنة فأغلب الشعراء كتبوا القصيدة الكلاسيكيّة أوّلاً، ثمّ انتقلوا لقصيدة التفعيلة، ولاحقاً للنّثر، أنا اليوم وعلى الرغم من أنّ فكرة التجديد استقت بداياتها من الشعر الغربي وترجماته من دون إهمال ما أشرتُ إليهِ من حَرَاكٍ تطوُّريّ، إلّا أنّني صرتُ أكثر قناعةً بأنّ شاعراً كأبي نُواس كان من أهمّ المجدّدين في تاريخ الشعر، هذا يقودُنا إلى حقيقة أنّ التجديد يجبُ أن يكونَ تعبيراً عن تغيّراتٍ موضوعيّة، تستلهمُ الغنى الثقافي والحضاريّ لهذا الشرقِ، ما يعني بالضرورة أنّ الحداثةَ تُعنى بالموضوع رغم أنّ شرطها الموضوعي الأهم هو قدرتها على توليد أشكالَ لا حصرَ لها.
وبالحديث عن الحداثة، كان لابدّ من التّطرق إلى أشكال قصيدة النثر التي طغت على المشهد الشعري السوري، وابتدع لها الشعراء والموهوبون أشكالاً جديدة تحت مسميات عدّة، مبتعدين عن شكلها الأصلي الذي يستحضره اليوم منذر حسن في بعض مجموعاته الشّعرية، مبيناً سبب هذا الابتعاد بالقول: ثمّة كثيرون ممّن امتطوا موجةَ الحداثة لتغطيةِ جهلهم بالشّعر، لا يكفي أن تهجر الموسيقا لتصبحَ شاعراً حداثويّاً، المسألة ترتبط أيضاً بالثقافة والتجربة، وهتك المقدّس لا يعني إلقاء الشتائم على أرصفة الماضي، يجبُ على من يكتب الشّعر أن يكون شاعراً لا أن يعتدي على الّلغة، كثيرون آخرون يلملمون عِصيّهم من كلّ الأودية، خُبثاؤهم، لصوصُهُم ويقدمون نصوصاً خدّاعةً، لعلّها الصّناعةُ الفارغةُ من أصحابها، والتي يمكنها أن تحملَ أيّ اسمٍ، غير الشّعر، أنا أقبلُ أن نستفيدَ من تجارب الآخرين، وهم بدورهم استفادوا من غيرهم، ليس صادقاً من يدّعي أنّه لم يستفد من أدونيس شعراً أو تجربة أو من غيره، لكن في نهاية الأمر يجب أن نحقّقَ ذواتنا، وهذا يصدُق على أيّ مجالٍ آخر.
يعدّ العنوان مدخلاً رئيساً لأي عمل أدبي، كذلك العناوين الفرعية تلعب دوراً مهماً، لكننا نجد منذر حسن يستغني عنها في مجموعته «أفرد الحسن هواه»، كما يستبدلها بالأرقام في مجموعته «كن عشبي الذي..»، ما السّبب في ذلك، وهل يقلل الرقم من مكانة القصيدة أم لا؟ يجيب حسن: في مجموعتي الرابعة «أفردَ الحُسنُ هواه» لم أحاول التّخفّي لا خلفَ العناوين ولا بين السّطور، ما أردتُ قولهُ: إنَّ عبقَ الشّعر العربي لن يجرح حداثةَ النّص إن كانت متحقّقةً وتبقى مقولةُ: إنّ الحداثةَ تجربةٌ لمَّا تكتمل بعد صالحةً، أمّا في «كُن عُشبيَ الذي..» فقد كُتبتُ بحريّةٍ أوسع، الأرقام لا تعني الهروب من العناوين بقدر ما تعني أنّني لم أحاول أن أُثبتَ شيئاً، لهذا أجدها الأكثر قرباً إلى قلبي، ولعلّها الأكثر تعبيراً عن تجربةِ تلكَ الأيّام، بطبيعة الحال نحن الآن في جزيرةٍ أخرى فالحرب لم تترك شيئاً على حاله، ولا أدري إلى أيِّ حدٍّ أثّرت فينا وهل تغيّرنا؟، مضيفاً: في هذا المجال، وبعيداً عن الحرب، وكخلاصة لرأيي بتطوّر الشعر أجدُ من المناسب القول: إذا كان على قصيدة النثر أن تمثّل الغدَ بكلّ إشراقه، فإنّ عليها أن تنزعَ كلّ القيودِ الحالية لتصبحَ حرّةً.
يقيم الشّاعر منذر حسن في محافظة طرطوس الحالمة الهادئة، والتي صبغت الحراك الثقافي بالطابع ذاته أو ربّما العكس، وفي الوقت ذاته تحتضن كمّاً لا يستهان به من الشّعراء والأدباء شأنها شأن أي محافظة أخرى، لكن للأسف لا يزالون بعيدين عن الأضواء وفرص الظّهور التي يحظى بها شعراء العاصمة، والسؤال هنا: ما الذي يمكننا فعله لتخطي هذه المشكلة وإعطاء هؤلاء الشعراء حقهم أسوة بشعراء العاصمة؟؟ يجيب حسن: طرطوس مدينة ثقافةٍ وشعر، هذا صحيح، الصّحيح أيضاً هو افتقادها أي منبرٍ ثقافي، حتى لَتكادُ جمعيّة العاديات أن تكون نافذتها الوحيدة، المؤسسات غائبةٌ أو مُغيّبة، ووسائل التواصل الاجتماعي باتت منبراً لا متناهياً لتكريس التفاهة، باستثناء بعض الجزر القليلة، أعتقدُ أنّ المشكلة تكمن في عقليّةِ القائمين على الثقافة، أحياناً أشعر بأنهم كائناتٌ تنتمي للقرون البائدة، المشكلةُ الأخرى هيَ أنّ التاريخَ حنَّطَ آباءهم «الصِّيد»، فيما يتسابق كثيرٌ من الأحفاد على اجترارِ حكايا النخوة وأغاني السؤدد، في العاصمة قد يبدو الوضعُ أحسنَ حالاً لكن ليس كثيراً، فخير لك أن تضيع في الزحامِ من أن تضيعَ في الفراغ، كنتُ أتمنّى لو كانَ تقديم اقتراحٍ سيجدي، لكن الكارثةَ أوسعَ وأبعد، ما لم تتغيّر طرقُ التفكير، إذ كيفَ لحراكٍ شعريٍّ أن يتوهّج، إذا كانت الأضواءُ مُطفأة، في كلّ الأحوال لا أسهلَ من الإشارة للدليل، سيكفينا أن نرصد، كم عدد القراء الذين سيقرؤون ما نكتب، لنتأكّد ممّا أشرت إليه.

print