لئن شابهت الرواية الحياة، في سائر تركيباتها وتحليلاتها.. بساطتها وتعقيداتها.. أقدارها ومصادفاتها.. بل أشغالها وأحوالها ومغازيها ومعانيها، فما ذلك من الغرابة في شيء، لكون الرواية إن هي في المحصلة إلاّ صورة مصغرة لمقطع حياة كلٍ ما.. جماعة.. فرد.. شيء ما، يهدف منها مؤلفها إلى غاية أو مجموعة غايات أولية:
منها ما يخطر على بالنا كقراء..
ما لم يرمِ إليه المؤلف أصلاً، بقصد أو من دونه، ويلتقطه المتلقي..
ومنها ما قد يتشاكل، إيجاباً وسلباً مع أفكارهما كلاهما، أي المؤلف والمتلقي.
فكما أنت في حضرة الحياة:
في الريف والمدينة، في الفصول الأربعة والجهات الستّ، وما يواصلها ويفاصلها من سياقات، في العمل والأمل، الحب والكراهية، الغنى والفقر، وفي العدل والظلم… لا تدري من أي مزدلف يحسن بك أن تدلف إليها.
كذلك أنت في حضرة إحدى صورها المصغرة، رواية «في حضرة باب الجابية -طفل البسطة». ولِمَنْ لا يعرف باب الجابية، هي(ساحة عتيقة في مسارب عدة، تؤدي إلى أحياء دمشق القديمة: سوق مدحت باشا شمالاً، باب سريجة، وحتى السويقة غرباً، الدرويشية جنوباً، وسوق القطن الأثري في الشرق) ص43.
«في حضرة باب الجابية..» رواية، معها يضيق عليك اتساع الخيار:
من أي زاوية تدخل حرمها؟
من أي زاروب ترنو إليها؟
ومن أي زهرة تشمّ حديقتها؟
البعد الإنساني والأغنية:
الزمان والمكان، الإرث الثقيل من عادات وتقاليد، تقنية السرد، فنية الأسلوب، اللغة ومستوياتها، حكائية السرد وقَصِّيّته، البعد الإنساني، الأغنية والأشعار، البيئة الشعبية، عمال الفاعل، وسواه مما يشترك في هندسة ومعمار الرواية وبطولتها.
كل ذلك يضع نفسه في مهب التذوق، لمن يريد من ذوي المسؤولية والخبرة والاهتمام، على مختلف طبيعة ولون ألسنتهم وحساسيتها.
استناداً إلى معرفتنا الكاتب، إضافةً لما تحصلّناه من قراءة روايته «في حضرة باب الجابية»، مثار اجتهادنا هنا،خرجنا باستنتاج مفاده: أن البعد الإنساني بما هو تربية، قناعة، رؤية، وأسلوب عمل، قبل أن يكون هدفاً وتطلعاً لدى الكاتب، بالتضايف مع الأغنية كمنتج فني، بصرف النظر عن اختلاف انتماء المغني: إثنياً، جنسياً، فكرياً، دينياً، مذهبياً، وطبقياً.
لم يشكّلا معاً، إحدى روافع البطولة والشعبية للسردية، بالمعنى الأدبي للبطولة، والطبقي للشعبية، فحسب، إنما كانتا بمنزلة «الملح الروائي» للطبخة الفنيّة، الملح الذي انتظم الرواية من أقصاها إلى أقصاها!
لئن تعذر على الدارس والباحث والمؤرخ، الوقوف على الأسبقية في حياة الإنسان، هل كانت للرواية بما هي، حدوتة وحكاية بالمعنى الأبسط.. الأقدم.. والأضيق للمروية، التي رافقت وعينا للوجود؟ أم للأغنية، بصيغتها البكر ومفهومها الشعبي، التي هدهدتنا بها أمهاتنا منذ أول صراخنا والبكاء؟
فمن غير المختلف عليه، أن الرواية والأغنية قد تجاورتا وتخالطتا وتبادلتا التضامن والتضمين والأماكن والتمكين في حياتنا، على غير مجال وصعيد ومستوى.
فما أكثر، ما نستمع، إلى أغانٍ تنضح حكايا عشق وحرب وبطولة.. وما نقرأ مدونات، تنطوي على أغنيات معيّنة، تلميحاً أوتصريحاً، منقوصةً أو كاملة.
أمّا أن يُشَكل أحد المطربين بالشراكة مع أحد عشاقه، الأخير الذي يُماهيه صوتاً ومزاجاً وطالعاً ومصيراً، الجزء الأوفر من الرواية، فهذا ما لم نقع عليه، في حدود علمنا والذاكرة، إلا عند الأديب «أيمن الحسن» في روايته الراهنة «في حضرة باب الجابية – طفل البسطة» الصادرة حديثاً /2018/ عن الهيئة العامة السورية للكتاب في دمشق.
العنونة:
أن يبتدرنا الكاتب منذ اللحظة الأولى، من على جبين روايته، في العنوان الذي يعدّ بمنزلة السلام الذي يسبق الكلام، بعبارة: في حضرة باب الجابية. مشرّفاً المكان إياه برتبة (الحضرة)، التي غالباً ما تتقدم أسماء الأخيار من الناس، والعارفين بالله وذوي المقامات الروحية البائنة، فذلك يعني فيما يعنيه، أنه – أي الكاتب – لم يكتفِ بأنسنة المكان، بل ارتفع به إلى ما فوق ذلك، ليرفده بـ: طفل البسطة، عنواناً ثانياً، لا يخرج به عن بحر الإنسانية المحضة، المشاطئة لمحيط الملائكية، لاسيما أن الطفولة، حسبما نعلم، هي صلة الوصل والفصل بين الإنسان والملاك!
الاستهلال والترويس والاستشهاد:
لَمَّا كان لكل ما يدخل حرم العمل الإبداعي (الرواية هنا) وكل ما يشغل حيزاً من فضائه، كبيراً كان أم صغيراً، شأنه، تأثيراً وتأثراً، بسائر ما سيدخل لاحقاً في تقييم ذلك العمل، فلا غرو أن نضع في الحسبان، قرّاءً ومهتمين:
استهلال كاتبنا «الحسن» بُعيد الإهداء مباشرة، بمقولة لصاحب «زوربا» الروائي اليوناني «نيكوس كازانتزاكي».. يليه استهلال آخر للمتصوفة «ابن عربي»، بغض النظر عن نص الاستهلالين. بعدها يفتتح «الحسن» الباب الأول من روايته، بجملتين من أغنية لفريد الأطرش، ويُبَسملِ الباب الثاني، بمقطع كامل من (رسالة الطير) للمعلم الرئيس «ابن سينا».
إضافة إلى ترويسات عدة، تطالعنا من نص لآخر، من نصوص الرواية، التي يختتمها الروائي بعبارة لكاتب الواقعية السحرية الأشهر «غابرييل غارسيا ماركيز»، تقول: (الحياة هي ما يتذكره أحدنا كي يرويه للآخرين..).
العبارة المأثورة والحكمة التي أرانا بالكاتب قد وجد فيما تفصح وتلمّح وتضمر وتدل، من ترفّعات الإنسانية وتطلعاتها الشواهق، ما يتكفل بإيصال رسالته إلى قارئه، بأقصر السبل وأقل الفقدان.
كيف لا؟ وقد اختصر القائل حياتنا عن بكرة أبيها، بما نتذكره – من دون سواه –ومن المعروف أن ما يحافظ على مقعده في ذواكرنا، هو ما يصيبنا بذروة السعادة أو التعاسة، من فرائد الأمور والحوادث، كي نرويه للآخرين.
وهنا في الجملة الأخيرة، تنصبُّ عبرة العبارة، ويكمن بعدها الإنساني، حينما نقف على أن قيمة حياتنا المكثفة في ذكرياتنا، ليست فيما تدرّه علينا استعادتها من نفع ذاتي، إنما هي في روايتها للآخرين، من أجل البناء عليها وإيصالها للأجيال القادمة، في سبيل سعادة ورفاه إنسان الغد.
البيئة الشعبية
انطلاقاً من أن لكل مخلوق هوية، واعتماداً على أن الإبداعات هي مخلوقات بادعيها، فما من شك في أن هوية «في حضرة باب الجابية..» هي «البيئة الشعبية». ولمن يهوى التفاصيل:
بيئة المفقرين على غناهم..
المهمشين على أهميتهم..
المظلومين على ما لا يد لهم فيه ولا رجل..
المغربين في مسقط أفئدتهم..
بيئة شاغلي الأدوار السفلى والأقبية في البناء المجتمعي..
البيئة التي على ما فيها، وما عليها، بقيت – على المضض – هي الأكرم كفّاً، نفسْاً، فكراً، فنّاً، وظُرفا، كظُرف غير شخصية وبطل، في أعمال «تشيخوف».. «نيسن».. «حمزاتوف».. «العجيلي».. «كيالي»، وظُرف «دعدوش» في مرويَّة أيمن الحسن «.. طفل البسطة»، حين يشيد بمطعمه، الواقع في ساحة باب الجابية، قائلاً:
(السلطان العثماني عبد الحميد تناول وجبة إفطاره فيه، مؤكداً «كان يحب الحامض كثيراً، ويموت بالثوم والبصل». ثم يكمل: وعندما جاء الملك فيصل بن الشريف حسين إلى مدينة دمشق، كان مطعمي أول مطعم يزوره، بل إن الثوار، قبل أن يمضوا إلى المعركة في تلّة ميسلون المشرفة على بوابة دمشق، لقتال جيش الجنرال غورو، أفطروا فيه تسقية وفول). ص36/37.
كما عرفناه في غير قصة ونَصّ ونشاط. كذا هو الأديب السوري أيمن الحسن، في روايته قيد قراءتنا الآن«.. طفل البسطة»:
بدأب نملة، يعمل على موضوعه، من دون التفات لطول الطريق وانعطافاته ومطباته!
بهمة فلاح، يُجابه انخفاض نسبة الأمطار، وارتفاع نسبة العواصف والحشرات، وبَخْسِهِ ثمن محصوله!
وبرويّة وبعد رؤية وثبات حكيم، يتعاطى مع مَنْ يتعرض له ويعرض عليه، من أبطال سلبيين وشرطة آداب.. مِنْ متسلطي سرد وقطاع طرق رواية!
ختاماً: هل تراه راضٍ، عزيزنا «البعد الإنساني»، (قِبلةُ أديبنا «الحسن»، ومعشوقته، أُمّ هاتيك العينين، صاحبة ذلك القدّ، وذات تلك الجاذبية) بما تقدم من خالص حب كاتبنا ومفاداته؟
«في حضرة باب الجابية- طفل البسطة»:
رواية..
مكتوبة بقلم الخبرة والمكابدة..
محبّرة بتجارب مواطنيّ الدرجة الثالثة، في الحب والحياة..
ومدوزنة على إيقاع الفن والأدب.

print