رمال الجيوبوليتيكا تتحرك تحت أقدام من فضّلوا التبعية الكسولة على استقلالية القرار، لعبة الدومينو تتطلّب حدساً واستيعاباً للرقعة التي تُدار فيها اللّعبة، للأزمة تاريخ ميلاد ولكن لها أيضاً تاريخ وفاة، فالأزمات نفسها غير ثابتة، صنّاع المؤامرة يدركون النهاية قبل أولئك الذين يتبعون «جيلالة بالنافخ».. (أي يتخذ قرارات مبنية على الأحداث وليس عن قناعة خاصة).
يمكنك أن تتابع بأي رباطة جأش كان خصوم سورية يتحدثون عن «نهاية الأسد الوشيكة».. كانوا يعتقدون أنّ سورية «دولة هشّة» لا تقوم على مؤسسات وعقيدة سياسية جادّة وجيش متين التكوين العقائدي والتقني، أسمع لبعض «جداجد» الاستراتيجيا وهم «يتبلكفون» بشأن أسباب «نزول» الانتصار السوري، حين يقولون: «لولا روسيا»؟ يقولون ذلك وكأنّ من يحارب سورية هو ميليشيا «الجيش الحر» وليس أنّ كل ذلك كان بتدخل أمريكي وغربي وكل خصوم سورية الدوليين والإقليميين، الحرب هي إدارة معركة وأزمة.. لقد حاربوا سورية بكل الضربات وقاومتهم سورية بصمود وواجهت حلفهم بحلف آخر.. «جداجد» الاستراتيجيا سيسمعوننا أصواتاً مزعجة كثيرة وصرير أصوات ما بعد الهزيمة النكراء.. كانت الحرب أكبر من كلّ هؤلاء الأغبياء.. سُخّر فيها انكشارية السلفيات «الجهادية» والإخوان وفكرهم وعقائدهم، كما سخرت فيها ثروات الأمم المُضامة.. وحين أفلس عطّار الحرب وبارت بضاعة «إسقاط النظام» السوري، هرب القرصان محمّلاً بأكياس من الذّهب وترك «فرافرة» التبعية طابوراً في حالة انتظار «الفول المدمّس»..
سنواجه في المستقبل انتشار أمراض الحرب على سورية، لا يتعلق الأمر هنا بآثار المواد المستعملة في الحروب، التي تنعكس سلباً على صحّة السّاكنة، بل أقصد مرضاً عقليّاً ومأزماً أخلاقياً يتهدد صحّة الضمير وصحوته.. كيف سيتأقلم من قضّ العُصاب جسدهم النفسي الجريح.. عن أولئك الذين كانوا يشرحون حتمية ما كانوا يسمونه «سقوط الأسد» القريب بخرائط ملوّنة، عن أولئك الذين تحدّوا الكلاب في قوة وعدد وسرعة النُّباح، عن الذين زحفوا كأم الأربعة والأربعين خلف المصروع أوردوغان وكان لهم في مؤتمر القاهرة بإشراف مرسي ثُغاء ثم سرعان ما عادوا يتهم بعضهم بعضاً كحُمر مستنفرة فرّت من زئير الأسد.. الكل بات يقدم دروساً في الديمقراطية حتى لُكع بن لُكع.. والكل يبكي على الشعب السوري في «المانشيتات» ويبعث في الوقت ذاته من يقتل الشعب السوري في حلب وحمص ودير الزور والغوطة.. الكل في دورة العدوان على سورية أصبح خبيراً بمن فيهم من لم يغادروا أكواخهم و«مداشرهم» وأزقّتهم.. الكل أصبح فاغراً فيه مسترسلاً في التنبّؤ بمصير سورية بناء على أحلام الرُويبضة وتكهّنات الخنفشاريين.. اكتظت القنوات والإذاعات والصحف بلُقطاء التحليل الاستراتيجي ضدّ سورية.. قانون القصور الذّاتي للكراهية جعلها تتجاوز حقائق السياسة.. زواج كنسي بين طالبان والبارمان.. الأرض العربية باتت تتكلم سلفيّاً.. والعلماني ارتكس وهّابياً.. والوهابي تمطّطت شفتاه وهو يجترّ مفاهيم غريبة على جهازه الهضمي ويلبسها كبنطلون شارلي شابلان.. ضاعت الحقيقة والمروءة والرّوية، وكان هناك واقع تصنعه وسائل إعلام هرّبت العقول ناحية الافتراضي الذي بات يقطر صديداً..
خيبات الأمل التي نرصدها هنا ليست اصطفافاً رخيصاً كما مرد عليه «آكلي البوبوش» الذين يشربون عليه فودكا بول البعير، بل هي وقائع ترسم تراجيديا متعددة الأبعاد.. فالشقي من خرج من حظّ عاثر إلى حظّ أعثر.. لقد استهانوا بسورية وحلفائها وتمزّقت أفواههم وشطّت ألسنتهم من حُلُقهم ترديدا لمفاهيم مهرّبة.. أين برنار هنري ليفي سفيه ثورات أبي الجعل.. وأين برهان غليون الذي باع المفاهيم في مبغى الـ«ناتو».. وأين عزمي بشارة الذي مجد ثورات بلا قادة في تقميشة تنتهك منطق الأشياء.. وأين العرعور المتنسنس.. وأين القرضاوي الذي أراد أن يصلّي في الجامع الأموي في دمشق.. وأين وأين؟ لقد كانوا.. لقد رمى التاريخ بكلّ سفيه.. ذهبت ريحهم وانهدمت أبوازهم.
كان هناك عويل.. كان هناك ضغيب.. كان هناك فحيح.. كان هناك شحيج.. كان هناك نقيق.. كان هناك عرير…عفواً، لقد حدّثتكم عن مزرعة الحيوانات، بل مزرعة الحشرات، تلك التي سمّيت في معجم الأباعير ثورة فظهر بعد سنين عجاف أنها خُدعة.
تحتاج عملية استيعاب الصدمة شيئاً من الوقت، ولاسيما في مجال العلاقات الدولية.. التحولات التي عرفتها الأحداث في سورية أربكت الكثيرين.. لنذكّر بأنّ المعادلة باتت واضحة: خصوم سورية الذين صمموا على تخريبها سيغيّرون «لوك» الحكومات لكي يعرفوا كيف يتعاملون معها مستقبلاً.. فالوجوه المألوفة التي أشرفت على تدبير الائتلافات وشراء الذمم ستختفي من المشهد.. بالنسبة لأمريكا لن تغامر للدفاع عن مشروع «الإخوان».. مشكلة «الإخوان» أنهم ظنّوا أنّ أمريكا معنية بتحقيق حلمهم في قيام الخلافة.. ينتظرون عودة لورانس إخواني يطيح بكل الدّول العربية برسم ربيع ديموخواني.. اليوم يبدو «الإخوان» أكثر خوفاً على مستقبلهم لأنهم يدركون أنّ انتصار سورية هو نهاية لحكوماتهم، فحتى الدول التي تقودها حكومات ذات خلفية إخوانية ستكون في حرج شديد.. القيادة السورية تركت الحكم في أي علاقة مستقبلية للشعب السوري، بينما الشعب السوري الذي واجه كل فصول المؤامرة هو أكثر تشدّداً في رفض الإخوان.. السؤال اليوم: كيف ستتعامل حكومات تقودها النهضة في تونس أو الـ«بي جي دي» في المغرب أو العدالة والتنمية في تركيا مع الواقع الجديد.. فحتى الأمس القريب كانت حركة النهضة و«الإخوان المسلمون» والاتحاد العالمي وحزب العدالة والتنمية وبقية التشكيلات الإسلامية الأخرى بلا استثناء ضد سورية، ومنخرطين بشكل من الأشكال في جبهة ما سمي بـ«أصدقاء سورية».. بعض الدول غيرت بعض الوزراء استعداداً للتعاطي مع الوقائع الجديدة بمجرد ما انسحبت أمريكا، فأحدثوا تغييرات، وسنشهد خلال الشهور القادمة الكثير من المفاجآت.. سيعود «الإخوان» إلى جحورهم.. بعضهم سيهرب إلى الأمام.. بعضهم سيغيّر اللّهجة.. «تشقلبات» عديدة في اللغة والموقف.. مصير من يبحث عن التمكين على منابر إيبّاك.. من ارتضى لنفسه دور ابن أبي بلتعة..
كل شيء تبخر.. كل السيناريوهات.. كل المهازل المفروضة.. لا جنيف ولا ائتلافات ولا أصدقاء سورية.. لا عرعور ولا صرصور.. لقد اتّضح أننا كنّا أمام مسرحية.. أمام لعبة قلنا عنها مراراً بعبارة سعد الله ونوس: واللعبة تمضي حتى الآن ببراءة.. هناك حقيقة مُرة جدّاً لكل سفيه.. خائن متآمر: الانتصار السّوري.

*كاتب من المغرب

print