«أن يرجع اللحن عربياً.. ولـو كان حزيناً»
منذ سنوات، لعلها بدأت منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، وكل ما يتعلق بالعروبة في حال تراجع، فحلم الوحدة تبدد وأصبح في أقصى صوره تضامناً، ثم عاد ليتضاءل مرة أخرى ويصبح تنسيقاً عربياً تحكمه لقاءات قمة دورية فارغة من المحتوى، رسّخت الإقليمية أقدامها وأصبحت قضيتها هي القضية الوطنية، وتحولت قضية الوحدة إلى «أجندة خارجية أو فكر خشبي أو مغامر»!.
غابت قضايا الأمة المصيرية عن معظم الاهتمام الرسمي والشعبي العربي، فأصبح الخروج بمسيرة نصرة لفلسطين أو العراق غاية الأرب ومبلغ النضال، حتى لغتنا التي طالما فخرنا بها، وعددناها أداة اجتماعنا، تراجعت أمام غزو لغات المستعمر، وظهرت لغة جديدة هي خليط من المحكية واللغات الأجنبية، وأصبحت لها كتابتها الخاصة، وتراجع موقع اللغة العربية في أنظمتنا التعليمية، وغابت المعايير الوطنية عن إعداد الجيل الجديد لمصلحة سياسات وقضايا تهم المجتمعات الغربية.
وكأن الأمة لا يكفيها ما أصابها على أيدي الاستعمار والأنظمة التابعة له، فجاء «الربيع الصهيوني» ليدمر ما بقي في النفوس من تواصل بين أبناء الأمة العربية، وغرق كل قطر عربي بمشكلاته وهمومه «وربيعه»، وتغلغل المستعمر القديم– الجديد بثوب الحليف لهذا والعدو لذاك، وأصبح بعض العرب (مواطنين ومثقفين) يرون في العدو الصهيوني وجوداً طبيعياً لابد من التعايش معه، بل تطرف البعض فرآه حليفاً ممكناً في مواجهة الشقيق العربي.
أصبحت خيانة الأوطان وجهة نظر، والتحاور مع الصهاينة والدعوة لإقامة دولة مشتركة معهم حرية رأي، كما أصبحت مشاركة الإرهابيين والتعاطف معهم «دعماً للثورة»!.
في هذه العتمة، التي بدت لوهلة بلا نهاية، أنارت انتصارات الجيش العربي السوري نهاية النفق، وعلى وقع هذه الانتصارات بدأ بعض العرب يشدون الرحال، ثانية، نحو دمشق. بعضهم جاء طامعاً بحصة من مشاريع إعادة البناء، وبعضهم جاء مستسلماً لهزيمة عسكرية وسياسية. استقبلتهم دمشق، جميعاً، بما يليق بها رغم احتجاج البعض ودعوتهم للثأر، لكن دمشق كانت دائما ذات بصيرة أعمق، وقلب أنقى، فهي من حرصها على أمتها، تدرك أن القطر المنفرد مهما أحرز من انتصارات، يبقى قاصراً عن ملامسة قضية الأمة من دون الحد الأدنى من اللقاء، ليس بين القيادات فحسب، ولكن بين الشعوب، لتبقى شعلة العروبة متقدة في النفوس، حتى يأتي يومها ويكون لها ضرامُ. إن عودة العلاقات العربية– العربية أصبحت اليوم أمنية.. ليعود اللحن عربياً ولو كان حزيناً.
«والمنفيون يعودون إلى أوطانهم.. ثم رجوعي»
ما زال وطننا العربي يقدم للعالم أقسى قصص اللجوء، وأطولها زمناً، وأكثرها استغلالاً ووحشية، فها هو جيل النكبة الفلسطينية يكاد يختفي بعد مرور 70 عاماً على سرقة أرض فلسطين وإنشاء كيان العدوان الإسرائيلي عليها، بل تحاك ضدهم اليوم مؤامرة من أطراف عربية وغربية لإلغاء حق عودتهم وتوطينهم تمهيداً لحل أزمة الكيان الغاصب على حساب الفلسطينيين والعرب، وها هم اللاجئون السوريون بفعل الإرهاب يتعرضون لكل أشكال الاستغلال، فالدول تمنع عودتهم تمشياً مع المخطط الغربي الساعي لإبقاء قضيتهم سلاحاً بيده، وها هم يعانون من التمييز في كل دول اللجوء حتى تلك التي تحارب وطنهم الأم بدعوى «الدفاع عن حقوق الإنسان»، بل إن قضيتهم تتحول إلى سلاح بيد التيارات اليمينية لتكسب الانتخابات، أما في جنوب الوطن حيث يرزح اليمنيون تحت الحرب، ويعانون من الموت نتيجة المجاعة والمرض وغياب العلاج، وهي المأساة التي تعدها الأمم المتحدة أكبر كارثة إنسانية في العالم، وتغيب قضية موت اليمنيين والمجازر التي تُرتكب ضدهم عن الشارع العربي، الذي يكتفي بالحوقلة، فحتى اليوم لم نسمع عن جهد رسمي أو شعبي لإغاثة أهل اليمن.
ما زلنا نتمنى منذ 70 عاماً، وتكبر فينا الأماني أن يعود المنفيون العرب إلى ديارهم، وأن تتحول أموال العرب نحو إغاثة العرب، بدلاً من دفع المليارات لخزائن الأعداء، يعود المنفيون، وأعود معهم متنقلاً من صنعاء إلى القاهرة، فعمان، فالخليل فدمشق، لا أخشى شرطياً على نقطة حدود، ولا أقف في طابور بانتظار تأشيرة.
«إي إلهي إن لي أمنية ثالثة.. أن يسقط القمع»
ليس القمع السياسي، الذي جعله العدو مشجباً علّق عليه كل تدخلاته في شؤون أمتنا، وجعل معاييره الأساس الذي يُعتمد عليه لتقييم الدول، فأصبحت الوطنية والقومية والتقدمية معاييرَ للقمع، في حين يعد الاستغلال، وغياب العدالة في توزيع الثروة، والحروب العدوانية معاييرَ للحرية والديمقراطية.
القمع الذي يكبلنا هو القمع الاجتماعي، الذي يحرم أكثر من نصف مجتمعنا (المرأة) من حقوقه الأولية.. القمع الفكري الذي يأسرنا داخل زنازين الماضي، ويكبلنا بنظرياته ومرجعياته وأحكامه الماورائية الجاهزة.. والتقاليد والأعراف البالية، قمع الإبداع، والتطور الحقيقي، والفكر النقدي.
أن يسقط القمع الاقتصادي، الذي يرهن مقدراتنا للسماسرة الذين يمنعون تنمية الموارد الوطنية والتحول إلى مجتمع الإنتاج، ويتأكدون من استمرار تبعيتنا للمركز الرأسمالي من خلال دعم أنظمة رجعية تابعة، تؤمن الغطاء السياسي لتبعيتهم الاقتصادية.
يا إلهي… يا إلهي إن لي أمنية رابعة (وليعذرني مظفر النواب صاحب الأماني الثلاث) أن يكون نصر الأمة الذي تحقق على يد الجيش العربي السوري وصمود الشعب السوري لحظة فاصلة في تاريخنا ننطلق منها لتحقيق أمانينا.

*كاتب من الأردن

print