خريطة الدولة في عهد القائد المصري العظيم تحتمس الثالث، التي تصل حتى الأناضول، وتهيمن على ضفتي خليج العقبة، وتصل شرقاً حتى نهر الفرات أو أبعد.. موجهة للتيار الانسلاخي داخل مصر، الذي عادة ما يرفع راية «الفرعونيّة» فلو كانوا صادقين فيما يدعون لكان نضالهم من أجل تحرير فلسطين من أشرس ما يكون، باعتبارها «جزءاً من أرضهم»، آنذاك. وجزءاً من مصر في أزمنة قوتها كما كانت الحال في زمن القائد تحتمس، وفي أزمنة غيره كالمماليك (بحرية – برجية) مثلاً.. وحتى مجيء العثمانيين.
لكن الحقيقة أن التيار الذي يرفع راية الفرعونية في مصر، لا يرفعها اهتداء بـ«منتوحتب الثاني» و«أمنمحات الأول» و«أحمس» و«تحتمس» بل يرفعها اهتداء بالخديوي توفيق أو أنور السادات وكامب ديفيد، ولا يستهدف من وراء تلك الراية سوى التضاد مع العروبة، أي عزل مصر عن قوميتها وحقيقتها (التاريخية والجغرافية واللسانيّة والبشرية..) ودفعها للتقوقع والانكفاء، وخسارة المجال الذي من الممكن أن تحصّل منه قوتها، وتردّ عن نفسها الأخطار مبكراً.. وتالياً تصير مصر عليلة هزيلة وحيدة ضعيفة تتسوّل الحماية من القوى الأجنبية.
أما ما ينسف هذا التيار الحديث، فهو أنه لم يرفع أحد شعاراته إلا كان يؤيد التبعية للبيت الأبيض والتطبيع مع الكيان الإسرائيلي والنيوليبرالية الاقتصادية، ويتخذ من الرجعية العربية مُسوّغاً للانسلاخ والسخرية من العروبة، من دون أن يشير إلى أن تلك الأنظمة الرجعية هي الأكثر تبعية وعمالة للبيت الأبيض، أي إنها رفيقة دربه (هو) (وليس نحن) وإن الأنظمة التقدمية في الوطن العربي، هي غالباً، الأنظمة الأكثر إيماناً بالعروبة، والأشد خصومة مع سياسات البيت الأبيض، كما إن الأنظمة الرجعية هي مثله تماماً مادامت هاجمت الخطاب القومي والوحدة العربية في زمن جمال عبد الناصر، واستخدمت ورقة الدين بهذا الغرض..
والملاحظ أيضاً أن هذا التيار الانعزالي، تدور الأيام لنكتشف أنه من أشرس المؤيدين للتفريط بجزيرتين مصريتين (تيران وصنافير) ولمصلحة من اتخذوا الرجعية نظاماً وتآمراً ومدخلاً لسبّ العروبة والتنكر لها!!، بينما لو دققت النظر لاكتشفت وحدة هدف دوماً بين هذين الفريقين (الرجعي والانسلاخي) لكن تختلف الطرق.. فعندما تعزل مصر عن الفاعلية في وطنها العربي، وتحثها على إخلاء موقعها الريادي، كما جرى منذ كامب ديفيد، فلمصلحة من تفعل ذلك سوى القوى الرجعية.. التي ستقفز وتختطف موقع القيادة؟ ومصر رغم كل شيء ستظل عربية وفي الوطن العربي ومصيرها مرتبط بمحيطها العربي.
الحقيقة التي لا مجال لإنكارها هي أن إبراهيم باشا وعبد الناصر في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين.. هما الأحفاد فعلا لتحتمس الثالث ابن القرن الخامس عشر قبل الميلاد.

*كاتب من مصر

print