من المعروف أنّ بحوث علماء الاجتماع في اللغة ومبالغتهم في الربط بين اللغة والمجتمع وإنكارهم أن يكون لغير الظواهر الاجتماعية أثر في اللغة كل هذا أدى إلى هجوم بعض العلماء عليهم ولا سيما علماء النفس الذين كتبوا عن العلاقة بين اللغة والفكر حيث يؤكد مثلاً فون جابلنتس أن الإنسان لا يستخدم اللغة للتعبير عن شيء فحسب بل للتعبير عن نفسه أيضاً.. ويذهب بعض العلماء إلى أن الألفاظ ليست إلا رموزاً تعبر عن المعاني الكامنة في النفس وهي ضرورية للتقدم العقلي لأنها هي التي تثبت كل خطوة يخطوها الذهن البشري ولذلك يرى هؤلاء أن علماء النفس لا علماء الاجتماع هم الذين يستطيعون أن يبينوا كيف يظل المعنى حائراً في الذهن حتى يستقر في الكلمة المناسبة وحيئنذ يتحدد المراد منه ويثبت ويتضح، ويذهب هؤلاء العلماء إلى أن اللغة ضرورية للفكر حتى في رحلات التفكير الشخصية ويقولون: إن الإنسان يفكر بينه وبين نفسه في أثواب من اللغة ويذهبون إلى أنه لا أحد يستطيع أن ينكر الأهمية العظمى للكلمات في أي نوع من التفكير حتى ذلك التفكير الذي يطلق عليه اسم الكلام الداخلي.

كما يرى هؤلاء أن علماء النفس هم الذين يفسرون كيف يستطيع الإنسان أن ينقل الأفكار إلى غيره متخذاً وجهة نظر الآخرين بحيث يحتفظ داخل تفكيره بالمدركات الشخصية البحتة ويتعامل ضمن المدركات العامة التي يفهمها هو ويفهمها غيره.. وبالطبع لا يمكن لأحد أن ينكر أن تكون للنفس البشرية دور أو أثر في الظواهر اللغوية حيث لاحظ علماء النفس بحق أن مسائل كثيرة من علمهم تساعد مساعدة جدية على فهم الظواهر اللغوية، فالتذكر والاسترجاع والتخيل وتداعي المعاني والإدراك والانتباه والحالات الوجدانية المختلفة وغير ذلك من مسائل علم النفس هي التي تفسر كيف يتعلم الطفل اللغة كلاماً ثم كتابة وكيف يصوغ الإنسان عباراته ويكوّن جمله ليعبر عن أفكاره وكيف يفهم السامع ما يسمع ويدرك القارئ ما يقرأ من تلك الرموز الكتابية.. ولذلك لا ينبغي الوضع في الاعتبار الصورة فقط التي تصاغ عليها الأفكار بل يجب الأخذ في الحسبان أيضاً العلاقات التي توجد بين هذه الأفكار وحساسية المتكلم، وبناء على ذلك فإن اللغة لا يصح أن تدرس على أنها أداة عقلية فحسب لأن الإنسان كما يتكلم ليصوغ أفكاره فإنه يتكلم ليؤثر في غيره من الناس، وليعبر عن إحساسه وشعوره وعواطفه فهو يعبر باللغة عن نفسه كما يعبر عن آرائه بل إنه يمكن القول بأن التعبير عن أية فكرة لا يخلو مطلقاً من لون عاطفي إلا إذا استثنينا التفكير العلمي أو اللغة العلمية التي يجب أن تكون معبرة عن الفكرة المحضة والحقيقة المجردة الخالية من الانفعالات النفسية.

print