في تموز الماضي، وبمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ 39 لانتصار الثورة الساندينية، اتهم رئيس نيكاراغوا دانيال أورتيغا رجال دين كاثوليك بالمشاركة في مؤامرة تستهدف تخريب البلاد، وأكّد أن العديد من الكنائس تستخدم كثكنات لتخزين الأسلحة، والقنابل، ولإيواء عناصر مسلحة.
وعبّر أورتيغا أيضاً عن ألمه بسبب تخلي الأساقفة عن دورهم المفترض كوسطاء بين النظام والمعارضة، وتأييدهم للطرف الأخير المدعوم من واشنطن، ودفاعهم عن خطاب يطالبه بالرحيل فوراً!، واصفًا التظاهرات التي بدأت في 18 نيسان 2018 بأنها مؤامرة شيطانية مسلحة تمولها الولايات المتحدة.
ويحظى أورتيغا بدعم العديد من الأنصار الذين هتفوا في ختام كلمته، مؤيدين بقاءه، رافعين أعلام الجبهة الساندينية للتحرير الوطني.
والجبهة الساندينية التي يمثلها أورتيغا هي حركة يسارية حققت انتصاراً عسكرياً ثورياً على نظام سوموزا الديكتاتوري في عام 1979، الذي كان مدعوماً من الولايات المتحدة، وأطلقت برامج لمحو الأمية والرعاية الصحية والإصلاح الزراعي وإعادة توزيع الثروة وتشجيع المساواة بين الجنسين، لكن واشنطن قامت بتمويل وتسليح عصابات مسلحة لتنفيذ ثورة مضادة عُرفت بـ«عصابات الكونترا»، وقد أدّت هذه الصراعات والعمليات الإرهابية والتهديدات الأمريكية الصريحة للناخبين في نيكاراغوا إلى خسارة الثوريين بزعامة أورتيغا للسلطة في انتخابات عام 1990، إلا أن أورتيغا نجح في استعادتها مرة أخرى حين نجح بانتخابات عام 2007، لكن واشنطن عادت من جديد لإشعال الوضع في البلاد مستغلة بعض المشكلات الداخلية كمحاولة الحكومة تعديل نظام المعاشات التقاعدية، وساعية لتأزيم الوضع الاقتصادي عبر العقوبات المتنوعة، وكذلك من خلال دعم شبكة من الحركات التخريبية والأحزاب اليمينية والمنظمات غير الحكومية، التي تغذي الإعلام بأخبار تصوّر النظام كنظام مهووس بالقتل والاستبداد، وتغطّي على النشاط الإجرامي التخريبي للعصابات التي ترفع راية المعارضة، وهذه المنظمات تتلقى تمويلاً ثابتًا من الوقف الأمريكي للديمقراطية «نيد» (راجع مقال: استهداف نيكاراغوا: عصابات كونترا أمريكية جديدة – تشرين 6/6/2018).
خلال فترة حكم أورتيغا الأخيرة، وعلى مدار الـ 11 عاماً، قام بقطع أو تعليق العلاقات مع العدو الصهيوني لمدة 7 سنوات متتالية منذ 2010، ونسج علاقات مميزة مع أحمدي نجاد الرئيس الإيراني السابق، كما عارض بقوة المؤامرة على وطننا العربي في ليبيا وسورية منذ الشهور الأولى، وكانت نيكاراغوا هي ممثل ليبيا في الأمم المتحدة بعد أن انضم مندوبها لزمرة المتآمرين، ورفضت واشنطن منح السفير الجديد تأشيرة الدخول، وأدان أورتيغا أكثر من مرة الاستهداف الأمريكي لدمشق، وانتقد الدعم المستمر لنشاط العصابات المخربة مباشرة أو عبر توفير الظروف لنموها، كما سعى لتحسين الأحوال المعيشية لمواطنيه عبر تبني سياسات اجتماعية، وإطلاق برامج لمكافحة الفقر، ودعم حقوق العمال، وتمويل المشاريع الصغيرة.. إلخ، لكنه يواجه صعوبات في ضوء انخفاض الموارد، وكذلك توتر الأوضاع – نتيجة مؤامرة أمريكية مشابهة– في فنزويلا الغنية بالنفط وحليفته وداعمته، و في الأساس بسبب العقوبات الاقتصادية الأمريكية المتتالية (ومنها قانون «نيكا» الصادر في 2017، الذي يقضي بمنع المؤسسات المالية الدولية من منح قروض إلى حكومة ماناغوا).
وكان أورتيغا من الساعين دوماً لعقد تحالفات مع الأنظمة اللاتينية التي تتبنى خطه ذاته مثل أنظمة كوبا وفنزويلا وبوليفيا، وتجسد ذلك في انضمامه إلى التحالف البوليفاري «ألبا» (وهي المنظمة التي تحظى سورية، وكذلك إيران، بصفة عضو مراقب فيها) كما تجمعه علاقات اقتصادية وسياسية جيدة بكل من موسكو وبكين، وهي من ضمن أسباب المؤامرة التي يتعرض لها.
اللافت أيضاً أن الأحداث في نيكارغوا تحظى بدعم إعلامي من المواقع والفضائيات المحسوبة على جماعة الإخوان والمموّلة من قطر وتركيا، وقد امتد الأمر من تغطية تتناول الأحداث نقلاً عن المنظمات الحقوقية المُموّلة غربياً، إلى سيل من المقالات التي تناقش الأحداث باعتبارها تمرداً «مشروعاً» و«مُلهماً» ضد نظام مستبد.. إلى آخر تلك العبارات الملوّنة، وقد وصل الحماس لتلك الأحداث إلى درجة أن أحد الصحفيين السوريين المعارضين، قد كتب مقالاً يتوجه فيه بالتحية إلى الأساقفة الكاثوليك على دورهم فيما يعده «ثورة»، وهنا علّق أحد القارئين عليه، بالقول: (لو كانت الأحداث ثورة حقيقية ضد نظام مدعوم من أمريكا، وبافتراض أن رجال الدين المسيحيين قد دعموها، لاعتبرت أنت وفريقك الطائفي هذا الأمر مؤشراً سلبياً، ودليلاً على فساد تلك الثورة، واستخدمت هذه الورقة لمناهضتها).
كما تؤيد الاحتجاجات في نيكارغوا عناصر عربية أخرى تتبنى أفكار الليبرالية الجديدة أو تنتمي لمدارس «يساراوية» تتفق مع مصالح الإمبريالية!، كذلك هناك وسائل إعلامية عربية تتورط في التحريض ضد النظام في نيكاراغوا، من دون عمد، وذلك بسبب أنها لا تملك مراسلين، وتعتمد على وكالات الأنباء الغربية التي تنحاز للاحتجاجات.

*كاتب من مصر

print