يشكل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في نظر معظم المحللين السياسيين في بريطانيا ومراكز أبحاثها أكبر تحدٍ يصعب تجاوزه، هذا ما يؤكده المستشار السياسي السابق لعدد من رؤساء الحكومات البريطانية السفير السابق (مارك ليال غرانت) الذي كتب في تحليل في مجلة «فروبيز» الأمريكية واسعة الانتشار في 2-12-2018 أن خروج بريطانيا سيشكل «أكبر هزة في منهج تأثير بريطانيا الدولي وأكبر تغيير بنيوي في مكانة بريطانيا في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ونهاية الإمبراطورية البريطانية».
والحقيقة أن العالم في هذه الظروف أصبحت تضيق فيه إمكانية أن تعيد بريطانيا دورها الإمبريالي الاستعماري في ظل تنافس قوى كبرى متزايدة على المسرح العالمي ويصعب منافستها على النفوذ والسيطرة بعد أن رسخت نفوذها.. ولهذا السبب أعلن «غافين ويليامسون» وزير الدفاع البريطاني في 30 -12-2018 في مجلة «نيوز – كوم أستراليا» أن بريطانيا تتطلع في العام المقبل 2019 إلى إنشاء قواعد عسكرية جديدة في الشرق الأقصى والبحر الكاريبي بهدف تثبيت دورها «كلاعب عالمي بعد بريكست» ويعترف ويليامسون أن سياسة «الانسحاب التي انتهجتها بريطانيا في الستينيات من منطقة شرق السويس لم تعد ذات جدوى لمصلحتها» وأنها ستعمل على «إعادة صياغة دورها على المسرح العالمي لاستغلال هذه الفرصة الكبرى السانحة بعد بريكست»، وأشار إلى ضرورة زيادة الاعتماد على القوة العسكرية في تعزيز هذا الهدف.
وذكرت صحيفة «تيليغراف» البريطانية أن بريطانيا ستسعى إلى تعزيز قواعدها الموجودة في البحرين وقطر وعمان والعراق ودورها في المنطقة ولاسيما أنها تدعم الحرب السعودية على اليمن- وتعد بريطانيا خامس دولة في سلم الدول الأكثر إنفاقاً في الميزانية العسكرية ويأتي ترتيبها بعد الولايات المتحدة والصين والسعودية وروسيا – وسوف تتحول البحرين إلى أكبر قاعدة لها في الخليج بعد أن استعادت قاعدتها فيها وطورتها بنفقات بلغت 40 مليون جنيه في العام 2018 ولها قواعد في أثيوبيا وكينيا وقبرص.
ومع ذلك يرى «السير سيمون فريزر» في دراسة نشرها في مركز أبحاث (كلية كينغز كوليج لندن)الشهيرة عام 2017 أن مهمة بريطانيا ستكون صعبة جداً في عملية استعادة نفوذها «لأن الخيارات أصبحت ضيقة جداً أمام طموحاتها الواسعة» ويبدو أنها أصبحت على هذه الدرجة من الصعوبة بسبب عدم وجود فراغ تملأه بريطانيا في مناطق النفوذ في العالم بعد أن ملأته الولايات المتحدة في السابق ثم بدأت الصين وروسيا بالعمل على ملئه بعلاقاتها في مناطق عديدة في هذه الظروف التي تراجعت خلالها أوروبا ولاسيما فرنسا في توسيع نفوذها الذي يتعرض للتدهور في أفريقيا وآسيا، ولذلك يرى سيمون فريزر أن بريطانيا تحتاج الآن إلى الالتفات إلى زيادة قدراتها العسكرية لكي تحقق قدرة ردع ضد قوى إقليمية وأخرى كبرى عالمية صاعدة، ولا شك أن مثل هذه المهمة ستستغرق سنوات ينتشر فيها سباق التسلح بين دول كثيرة ذات مصالح مختلفة على الساحة العالمية والإقليمية.
وإذا كانت منطقة الشرق الأوسط في أغلب الاحتمالات ستشهد ازدحاماً لتنافس قوى كبرى أمريكية وبريطانية وأوروبية وروسية وصينية فإن أي قوة كبرى لن يكون بمقدورها وحدها تحديد مسارات واتجاهات التطورات فيها، بل إن بعض القوى الإقليمية في هذا المشهد العالمي ستحتل أهمية متزايدة في المشاركة في تحديد مستقبل المنطقة وتطور علاقاتها ومستقبلها.
ويبدو أن قواعد النظام العالمي الجديد القائم على تعدد أقطاب القوة الكبرى الذي شق طريقه خلال العقد الماضي لن تضعها الدول الكبرى وحدها مثلما حدث بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما جرى فيها من تقاسم للنفوذ، بل ستشارك قوى إقليمية كبرى في وضعها إلى جانب كل القوى الصاعدة مثل الهند وبعض دول البريكس وتحديداً محور المقاومة الذي يشكل قوة إقليمية كبرى أثبتت قدرتها ودورها الصاعد في بناء الاستقرار في الشرق الأوسط بعد تحقيق هذا المحور انتصاره الواضح مع حلفائه على الساحة العالمية على قوى كبرى معادية وأخرى قوى إقليمية معادية في ساحة منطقة الشرق الأوسط.
وفي النهاية لن تجد بريطانيا أي وضع يتيح لها استعادة دورها الاستعماري القديم الجديد نفسه في هذه المنطقة بعد أن انتصرت على سياساتها هذه دول وقوى محور المقاومة وحلفاؤها في وقتنا الراهن.

print