في المغالطة يهرب الجميع، وفي الإعلام هناك مغالطة الهروب، أي حينما تضع الحرب أوزارها نسمع الإعلام يسلك دروباً ملتوية ويتحلّل من مسؤوليته، وذلك حين يُقال إنّ الصورة لم تنقل كما هي، نتساءل: ومَنْ المعني بنقل الصورة الحقيقية؟ طبعاً الإعلامي.. نحن أمام مفارقة..الإعلامي مسؤول والإعلامي الضحية في الوقت نفسه.. للتهرب الضريبي من الأزمات يكفي أن يقال: «كان لا بدّ من التّحرّي»..إنّ مغالطة الهروب ستكون أسهل طريق بالنسبة لأي إعلامي أو فاعل إزاء ما جرى ويجري في سورية، فالحقيقة واضحة، بينما الإعلام انخرط ليس فقط في التهريج بل في جريمة التآمر والتحريض وفي أقل الأحيان بالصمت في زمن «الساكت فيه عن الحق شيطان أخرس»..
إنّ تاريخ المواقف والآراء بخصوص سورية واضح ودقيق والكل مسؤول عما جرى، لأنّ النار، هناك أكلت شعباً وقع تحت وطأة الإرهاب، وبينما احترف الإعلام تسمية الأشياء بغير أسمائها فيما الجميع تسامح في القبول بهذه الملحمة من «البهتان العظيم».. المصالح والانتهازية واللامسؤولية والاصطفافات والسمسرة كانت تحول دون رؤية ما يجري.. الكل كان ينتظر«سقوط الأسد»، والكل كان ينتظر أن تأتي عصابات «ناتو» وتغِّير من منطق الأشياء في سورية.. سنوات على إيقاع الدم السوري المسفوح كانت معزوفة خصوم سورية تجري وفق السّلم الموسيقي نفسه.. كان «سقوط الأسد» في خيال كلّ هؤلاء «حتمية» يفرضها منطق الرّيع النفطي المتدفّق على امتداد الطوبوغرافيا الفاجرة.. كانت طلائع المقاومة تبلي بلاء كبيراً.. كانت تكافح هذه الوحوش التي تسللت من كل ثقوب الجغرافيا السياسية..هي حرب استمرت 8 سنوات.. كانت طلائع المقاومة لهذا التخريب معروفة، بينما قطيع الغنيمة صامت أو متبرّم أو عازف على النغم ذاته.. اليوم حين انتصر محور المقاومة بدأت بعض الألسن تنطلق من عقدتها، تغيير المواقع، تحريف الذاكرة، البحث عما من شأنه أن يصلح مستنداً هنا أو هناك، سبحان مبدّل الأحوال.. أصدقاء «الجيش الحر» باتوا متضامنين مع سورية! أصدقاء «الإخوان المسلمين» باتوا في طليعة رفض الحرب على سورية! نبتت نابتات غريبة ونطقت أصوات كانت تتلعثم.. تاريخ الخذلان والصمت والتدليس والخداع هو أيضا شيء مدرج في أرشيف الحرب على سورية.. من يراهم اليوم يتفيهقون يظن أن التضامن مع الدولة السورية كان حالة إجماعية، وأن الاحتجاجات لم تقف منذ بدأ العدوان.. نحن في كل مرحلة نواجه مسيلمة الكذّاب..الانتهازية، الدجل، الجبن.. إنه موقف: الصلاة وراء من غلب.
بالنسبة إلى سورية فهي تدرك بالتفصيل كل ما جرى.. تعرف جيداً خصومها من غيرهم.. تقبل بالازدواجية والانتهازيين على قاعدة « كلب ينبح لك أفضل من كلب ينبح عليك».. فسورية عانت الكثير من هذا الصنف الخطير..لا يكفي أن يتحدث الإنسان كالعوام وكأنه ضحية الإعلام، لأننا نبّهناهم منذ 2011 إلى خطورة ما يجري وسمينا الأشياء بأسمائها لكنهم عدّونها «شبيحة» ورفضوا الحقيقة، رفضوها وهم في كامل قواهم العقلية..
منذ بداية الأحداث أظهرنا فيها حقيقة وجود الإرهاب والمسلحين الذين كانوا يتمترسون بالمواطنين الذين خرجوا في مطالب اجتماعية لتحسين الأجور وما شابه، لعبة القنص و«الضحايا» في صفوف الجيش العربي السوري الذي حولته الماكنة الإعلامية المعادية إلى مجرد «قوات الأسد» بينما سمت مرتزقة الإرهاب «الجيش الوطني الحر».
لقد تقوّلوا فينا وأهانونا وحاربونا فقط لأننا رفضنا الانجرار لمواقف «الإخوان» و«ناتو» و«القرضاوي» و«العرعور» بخصوص سورية.. نعتونا بكل الصفات إلى حدّ عدّوا الموقف التضامني مع سورية «خيانة».. بل إن المفارقة أنه حتى بعض فلول النفاق يكرهوننا أكثر من «إسرائيل» لأننا في موقفنا هذا أحرجناهم.. و«يا ما تآمروا».. على الرغم من كلّ هذا لم يحصل إلاّ ما قلناه في بداية الأمر: فاقرأ في كل الدفاتر الموثّقة، أنّنا قلنا منذ اليوم الأول بلا منازع: لن يسقط الأسد..ستنتصر سورية، بل سورية انتصرت في نظرنا في الأشهر الأولى حينما قررت المقاومة.
كنا نتطلّع لتغيير اللهجة قبل سنوات، وفي اللحظات الحرجة التي منحنا فيها هؤلاء الصمت والتآمر.. ما قيمة المزايدات على قاعدة مغالطة الهروب اليوم؟ لنتذكّر في تلك الأيّام الصعبة كيف كان الكلام مكلفاً ومغامرة وتضحية.. يدرك ذلك من عاش تلك المواقف الصعبة.. كان الصمت انتظاراً، كانوا ينتظرون «سقوط» سورية لكي يعبروا عن مواقفهم بأثر رجعي، وربما قالوا: لقد سكتنا لأننا كنا ننتظر «سقوط النظام».. لكن سورية لم تسقط، والمهرولون وضعوا ألسنتهم فوق صندوق ماسح الأحذية.

*كاتب من المغرب

print