ما زال خبر إعلان بدء انسحاب القوات الأمريكية من الشرق السوري يقدح مخيلة المحللين، ليضعوا سيناريوهات تشرح الحدث وتدرس تبعاته، وأستطيع القول: إن جميع التحليلات تصب في اتجاهين رئيسين: الأول، يرى في الانسحاب الأمريكي تعبيراً عن هزيمة المشروع الأمريكي في المنطقة، وإقراراً من إدارة ترامب بهذه الهزيمة، ويعزز رأيه بإقالة (أو تقاعد) وزير الحرب الأمريكي ماتيس. أما الثاني، فيرى في الانسحاب الأمريكي فخاً هدفه إطالة أمد الحرب، وإحراج الدولة السورية بجرها إلى «مستنقع حرب أهلية»، أو مواجهة مع الجيش التركي في الشمال.
على الرغم من تباين الاتجاهين، إلا أن خيطاً رفيعاً، لا يكاد يُرى، يفصلهما، فمن ناحية لا يوجد أحد اليوم يستطيع إنكار حقيقة الهزيمة التي لحقت بالمشروع الأمريكي– الرأسمالي في المنطقة؛ على يد الجيش العربي السوري، والمقاومة العربية بقيادة حزب الله الذي سبق له أن وجه ضربة قاسية للمشروع الصهيوني عامي 2000 و 2006، ثم الالتحاق الروسي بالمعركة ضد الإرهاب، وأخيراً هزيمة المشروع الأمريكي- السعودي على يد الجيش اليمني وأنصار الله في اليمن، لكن محاولة تصوير هذه الهزيمة على أنها تشبه الخروج الأمريكي من فييتنام، فيها الكثير من المبالغة والتفاؤل، فالإدارة الأمريكية التي ولّت الأدبار من سايغون، فعلت ذلك على وقع انتصارات قوات الثورة الفييتنامية، ودفعت الثمن هزائم على الأرض، وأرواح جنود أمريكيين فاق عددهم الخمسة وخمسين ألف قتيل، أما في سورية فهزيمة المشروع الأمريكي كانت سياسية، بمعنى أنّ الصمود السوري منع تطبيق المخطط، لكن الخسائر في الأرواح والبنى التحتية كانت جميعها في طرفنا، ولم تخسر قوات تحالف العدوان إلا عدداً محدوداً جداً من جنودها.
يطل علينا محلل متحمِّس ليقول: هزيمة المشروع تعني تعديل الاستراتيجيا، والانسحاب الأمريكي يقع في إطار هذا التعديل، هذه الرؤيا لا تنسجم مع الحقيقة التي تقول إن الموجة الجديدة من العدوانية الرأسمالية الغاشمة، لم تكن إلا تعبيراً عن الأزمة التي تعيشها الرأسمالية الأمريكية والأوروبية منذ الانهيار المالي عام 2008، وهي الأزمة التي ما زالت مستمرة، وتعبر عن نفسها بانفجارات مطلبية في الدول الرأسمالية، وقد مرت فيها اليونان وإسبانيا وهاهي تتفاعل اليوم في فرنسا وبلجيكا وهولندا، لقد كانت الحرب، عبر التاريخ الحديث، وما زالت، المخرج الأكثر مناسبة للرأسمالية للتغلب على أزماتها، آخذين بالحسبان أن الحرب اليوم لم تعد مرتبطة بـ «لوبيات» صناعة الأسلحة والنفط فقط، فهي تشمل إضافة إليهما الإغاثة والإعلام وإعادة البناء وعشرات القطاعات الأخرى، لقد أصبحت الحرب في حد ذاتها صناعة تدر أرباحاً ضخمة على الاقتصاد الرأسمالي.
يبدو الاتجاه الثاني في التحليل أكثر قبولاً، لأنه سيضع الدولة السورية أمام خيارات صعبة، فالدولة السورية ستكون، في اعتقاد المخططين الغربيين، «أمام ثلاثة خيارات، إما أن تتحالف مع بعض التنظيمات الكردية في مواجهة تركيا، علماً أن قيادات هذه التنظيمات أثبتت عمالتها للغرب وعدم ولائها للدولة السورية، الخيار الثاني التورط في الحرب كطرف ثالث في مواجهة كل من القوات الكردية والجيش التركي، وهذا يعني حرب استنزاف طويلة الأمد، وأخيراً الوقوف موقف المتفرج من الحرب التي ستدور بين الأكراد والأتراك والتعامل مع الطرف المنتصر»، ما يعني أن أحد الطرفين المعاديين للدولة السورية (القوات الكردية أو تركيا) سيحقق مكاسب على الأرض تجعله في موقف عسكري وتفاوضي أكثر فعالية وقوة.
هذه السيناريوهات جميعاً تصب في اتجاه إطالة أمد الحرب، وإشغال سورية وإيران وروسيا، وهو الهدف النهائي للمخطط الرأسمالي). لكن هذه السيناريوهات ليست قدراً كما يتصور البعض، بل إن تاريخ الحرب على سورية أثبت أن جميع السيناريوهات التي وضعتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الدوليون والإقليميون باءت بالفشل، فالخيارات أمام سورية مفتوحة على جميع الاحتمالات، وهو ما أوضحه أكثر من مسؤول سوري، وعلى رأسهم الرئيس بشار الأسد، فمن يمتلك الأرض يمتلك خيار المقاومة الوطنية المدعومة من الدولة، والمواجهات العسكرية النظامية التي يقودها الجيش العربي السوري، والدعم اللامحدود الذي يقدمه الحلفاء والكفيل بوضع ضغوط سياسية وعسكرية على الطرفين التركي والكردي، وبالطبع ليس المقصود بالطرف الكردي سوى جزء منه انخدع بالأمريكي.
في هذا السياق، حاولت الولايات المتحدة القيام بحركات استعراضية تحمل طابع التهديد، تمثلت بدخول قطع من الأسطول الأمريكي بقيادة حاملة الطائرات «جون ستينيس» يرافقها الطراد الصاروخي «موبايل باي» والمدمرتان «ديكاتور» و«ميتشر» وغواصة ذرية إلى الخليج العربي للمرة الأولى منذ العام 2001، لكن الرد الحاسم الإيراني عند دخولها إلى المياه الإقليمية الإيرانية، أبدى مدى جدية محور المقاومة واستعداده لكل السيناريوهات العسكرية، بما فيها الاشتباك المباشر، وهو ما لا طاقة للمحور الرأسمالي بتحمله.
ما نستطيع الجزم به، بغض النظر عن جميع السيناريوهات، هو من جهة النية العدوانية للمحور الرأسمالي تجاه سورية وحلفائها، تلك النية التي تبدّل شكلها ووسائلها من دون تغيير حقيقي يذكر في مضمونها، ومن جهة أخرى الصمود السوري ووضوح الرؤيا التي لم تَحِد عنها سورية منذ بداية الحرب، وهي التصميم على تحرير كل شبر من أرض سورية وبكل الوسائل.

*كاتب من الأردن

print