لابد من الاعتراف بأن العدو الأمريكي– الصهيوني قد استطاع، وبمهارة كبيرة، ضرب الأمن القومي المصري, سواء بمعناه الواسع الذي أدركه الزعيم جمال عبد الناصر من خلال قراءة واعية للتاريخ المصري القديم والحديث, وهو ما جعله ينظر للأمن القومي المصري وفق ثلاث دوائر رئيسة الأولى الدائرة العربية, والثانية الدائرة الإفريقية, والثالثة الدائرة الإسلامية.. وكانت بداية ضرب الأمن القومي المصري بمعناه الواسع على أيدي السادات ومن بعده مبارك عبر إدراكهما الضيق للأمن القومي المصري الذي يتخندق حول الحدود الجغرافية القطرية.
وكانت هذه الخطوة الأولى لضرب الأمن القومي بمعناه الواسع الذي استخدمه بمهارة ووعي الزعيم جمال عبد الناصر, حيث انتهت نظرية الدوائر الثلاث للأمن القومي بقطع العلاقات مع الدائرة العربية عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع العدو الصهيوني برعاية العدو الأمريكي, ثم إهمال الدائرتين الإفريقية والإسلامية في الوقت الذي دخل فيه العدو الأمريكي– الصهيوني ليملأ هذا الفراغ ويشكل هذا الفضاء وفقاً لمصالحه.
وبعد نجاح الأمريكان والصهاينة في ضرب الأمن القومي المصري بمعناه الواسع, بدأت مرحلة جديدة لتضيق الخناق علينا لضرب أمننا القومي بمعناه الضيق عن طريق إشعال النيران في محيطنا الجغرافي, فالحدود الشرقية المصرية مشتعلة دائما بفعل الوجود الصهيوني على الأرض العربية الفلسطينية.
ومع انطلاق شرارة «الربيع العربي» المزعوم اشتعلت النيران على حدودنا الغربية بعد التخلص من القائد الليبي معمر القذافي الذي وقف في وجه العدو الأمريكي بصلابة لما يزيد على أربعة عقود حمى فيها البوابة الغربية للأمن القومي المصري, لذلك كان لابد من التخلص منه, والآن أصبحت ليبيا العربية مرتعاً للجماعات الإرهابية التي تعمل بأوامر العدو الأمريكي وحلفائه الإقليميين والدوليين, الذين يسعون دائما الى استمرار النيران مشتعلة في الداخل الليبي حتى يظل الأمن القومي المصري في خطر.
وبالطبع لابد من أن تكون الحدود الجنوبية مشتعلة بعد النجاح في تقسيم السودان، بوابتنا الرئيسة للقارة الإفريقية إلى دولتين في ظل رعونة وتهاون من عمر البشير, ثم يقومون الآن بإشعالها مجدداً في محاولة لعملية تقسيم وتفتيت جديدة من ناحية, ومحاولة نقل الجماعات الإرهابية للسودان بعد فشل مهمتها في سورية, لتأخذ أنفاسها وتستعد للقيام بمهمة جديدة يحددها العدو الأمريكي الراعي الرسمي للإرهاب في العالم, وتالياً يظل الأمن القومي المصري في حالة تهديد مستمر.
وبعد مرور ما يقرب من ثماني سنوات على هذا «الربيع» المزعوم أصبح الأمن القومي المصري مفقوداً سواء بمعناه الواسع أو الضيق, وانكشفت كل خيوط المؤامرة الأمريكية – الصهيونية, والمؤلم حقاً أن تنكشف معها الأدوار الوظيفية لبعض الدول العربية, فالدائرة العربية كلها أصبحت مشتعلة بالنيران (العراق وليبيا وسورية واليمن والسودان ولبنان)، وشبح التقسيم والتفتيت ينتقل كالوباء من بلد عربي إلى آخر, وإذا كانت الرجعية العربية كما أطلق عليها الزعيم جمال عبد الناصر تقوم بهذه الأدوار الوظيفية في الخفاء, فقد انتقلت في هذه المرحلة للعمل في خدمة المشروع الأمريكي – الصهيوني في العلن, فلا عجب في أن يخرج رموز هذه الرجعية ليعلنوا أمام العالم أجمع أنهم يمولون الإرهاب في الدول العربية التي اشتعلت فيها النيران, أو أن يعلنوا الحرب عليها ويقوموا بضربها ويهددوا غيرها بالضرب.
هذا إلى جانب دورهم المخزي في ضرب الدائرة الإفريقية ومساهماتهم في بناء سد النهضة المخطط له أمريكياً وصهيونياً لضرب الأمن القومي المصري في مقتل عبر شريان حياة المصريين وهو نهر النيل, وبالطبع لم تنج الدائرة الإسلامية من تآمرهم عبر اشعال الفتن ومساعدة تركيا على إحياء حلم دولة الخلافة, في الوقت ذاته) الذي تروج فيه لأطماع إيران في «إقامة دولة شيعية» في المنطقة في «مواجهة الدولة السنية» في الوقت الذي انكفأت فيه إيران على نفسها لبناء مجتمعها لتصبح قوى ذات وزن يهدد المشروع الأمريكي – الصهيوني وبالطبع العلاقات المصرية مع تركيا وإيران في أسوأ مراحلها.
وفي ظل هذه الأجواء المهددة للأمن القومي المصري بوساطة المشروع الأمريكي – الصهيوني أصبحت مهمة مصر صعبة جداًمن أجل استعادة أمنها القومي المفقود سواء بمعناه الضيق أو الواسع, لذلك فعليها أن تتحرك بحذر شديد وسط النيران المشتعلة, وخاصة في محيطها الجغرافي, ويجب عليها أن تتدخل دائماً لرأب الصدع بين الفصائل الفلسطينية ودعمها حتى تتمكن المقاومة من مواجهة العدو الصهيوني، وتالياً تؤمن البوابة الشرقية المصرية.
والمهمة الآن في ليبيا أصبحت صعبة جداً لكنها ليست مستحيلة فلابد من دعم كل من يسعى إلى لمِّ الشمل الليبي خاصة حركة المستقبل الليبية التي تسعى للمصالحة الوطنية الشاملة, وجمع وتنظيم ونزع السلاح, وإعادة الإعمار والتنمية الاجتماعية والاقتصادية, وبناء دولة القانون والمؤسسات, وهذه الحركة ذات اللاءات السبع الأساسية وهي: لا لتقسيم ليبيا والتبعية للأجنبي, لا للإرهاب, لا للجماعات المسلحة وعسكرة الدولة, لا للسجون السياسية, لا للعمل السري, لا للعبث بمقدرات البلاد والأجيال اللاحقة, لا للزعامة الفردية والقبلية, عبر نجاحها تعود ليبيا إلى وضعية الاستقرار, وتالياً تؤمن البوابة الغربية المصرية.
وبالطبع تفجير واشتعال النيران في السودان ليس في مصلحتنا ولابد من التدخل السريع لإطفاء هذه النيران عبر مجموعة من النصائح للبشير وحكومته للاستجابة للمطالب الشعبية المشروعة, والتأكيد للشعب أن هناك قوى خارجية تسعى لإشعال النيران بوساطة الجماعات الإرهابية في الداخل, وأن الإطاحة بالبشير وحكومته لن تحقق للشعب مطالبه, بل ستزيد من تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية, وما حدث في مصر وليبيا واليمن خير شاهد وخير دليل, وبنجاح هذه المهمة تستقر الأوضاع في السودان ونطمئن على البوابة الجنوبية.
وبعد إعادة الاستقرار للأمن القومي المصري بمعناه الضيق, نتوجه مباشرة إلى ترميم علاقاتنا على مستوى الدوائر الثلاث العربية والإفريقية والإسلامية, وبذلك نستعيد أمننا القومي بمعناه الواسع, اللهم بلغت اللهم فاشهد.

*كاتب من مصر

print