ما زال نتنياهو يراهن على محاولة قلب قاعدة العلاقة بين القضية الفلسطينية وصلتها المتينة بالعالم العربي وفصله عن ارتباط دوره ومستقبله بحقوق الفلسطينيين، فقد أعلن أمام السلك الدبلوماسي في «إسرائيل» عن أن دولاً عربية كثيرة مستعدة للتعاون مع «إسرائيل» من دون أي شروط تتعلق بتحقيق تقدم في المفاوضات مع الفلسطينيين، وتعهد أمامهم بتركيز الاهتمام على هذا الاتجاه من دون أي حاجة للموضوع الفلسطيني لا معهم ولا مع السلطة الفلسطينية، وبهذه الطريقة يعتقد أنه يقلب كل قواعد تمسك الفلسطينيين بقضيتهم وحقوقهم.
فبعض الدول العربية أصبحت تقيم علاقات تعاون مع «إسرائيل» وتتيح لشركاتها الخاصة للخدمات التكنولوجية الأمنية والاستخباراتية المجال من دون تطبيع رسمي علني وبشكل لا تقبل القيام به دول عربية وقّعت علناً على اتفاقات تسوية مع «إسرائيل».
واعترف نتنياهو أمام السفراء الأجانب أن انتفاضة الفلسطينيين بعد اتفاقات أوسلو عام 1993 حتى الآن كلفت «إسرائيل» 2000 قتيل بسبب عمليات المقاومة الفلسطينية.
ولم يذكر أنه دفع إلى جانب هذا العدد أضعافه من الجرحى والمصابين من الجنود والمستوطنين المسلحين نتيجة هذه المقاومة الفلسطينية، التي فرضت على «إسرائيل» سحب قواتها ومواقعها ومستوطنيها من قطاع غزة قبل 13 عاماً، والتحول إلى محاصرته بعد عجزها عن احتلاله، ومع ذلك بقيت الحقوق الفلسطينية محصنة مصونة بأيدي أصحابها الشرعيين وكل دولة وقوة عربية وغير عربية تقدم الدعم والإسناد للشعب الفلسطيني.
وإذا كان الفلسطينيون يقدمون التضحيات حين يتعرضون أثناء مقاومتهم وصمودهم للقتل المباشر ولتدمير بيوتهم وحقولهم وأرزاقهم بشكل مباشر ووحشي في الضفة الغربية ونتيجة الحصار في قطاع غزة، فإن ذلك لم يجعل الإسرائيليين في وضع أفضل فقد نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» في 15/12/2018 تحليلاً بعنوان: مليونان من الأطفال الإسرائيليين يعيشون عند خط الفقر، تكشف فيه منظمة مساعدات غذائية إسرائيلية غير حكومية تدعى ( فلنعطِ الفقراء) «أن مليونين من الأطفال الإسرائيليين يعيشون عند أو تحت خط الفقر بلا طعام يكفي وبلا تدفئة تكفي وبلا علاج يكفي» بموجب آخر احصاءات أجرتها هذه المنظمة في خريف هذا العام 2018.
وتبين مما يقوله رئيس منظمة ( فلنعطِ الفقراء) غيل دارون أن الإحصاء يدل على وجود أكثر من مليونين من الإسرائيليين ثلثهم لا يستطيعون تجاوز خط الفقر الدائم، فهناك ربع مليون يعانون الضائقة الاقتصادية وينحدر وضعهم إلى ما تحت خط الفقر، وهناك ثلثان لا يكفي راتبهم التقاعدي لتأمين بيت صحي لهم، وهناك 72% من هؤلاء يشعرون بالقلق الدائم من عدم كفاية راتبهم التقاعدي تأمين ما يكفي من الطعام والدواء وأن 47% ممن يتلقون مساعدات غذائية أصبحوا مجبرين على إيجاد بديل أرخص من الحليب للأطفال بسبب نقص المساعدات الغذائية، وأن 11% ممن يتلقون المساعدات من المسنين يميلون إلى التفكير بإنهاء حياتهم بعد تزايد اليأس من الحصول على وضع أفضل.
وكشفت الصحيفة أن وزير شؤون الضمان الاجتماعي والمساعدات اضطر إلى الاعتراف بأن ميزانية وزارته لم تعد تكفي لتغطية نفقات تزايد عدد المحتاجين وحذر من أن الظروف سوف تجعل الفتيات الصغيرات يتجهن نحو ممارسة الدعارة مقابل المال.
وفي وضع كهذا لا يمكن الاعتقاد بأن ميزان القوى في مثل هذه المواضيع يميل إلى مصلحة المستوطنين بالمقارتة مع وضع الفلسطينيين الأشد قسوة لأن الفلسطينيين يدركون قيمة تضحيتهم وتعاضدهم وقيمة كفاحهم الذي يتمسكون به طواعية ويبقون في وطنهم مهما بلغ عسف الاحتلال، أما الإسرائيليون فتدل المعلومات المتوافرة في وزارة الاستيعاب المتخصصة بتهجير اليهود إلى الأراضي المحتلة على أن تناقص الهجرة يقابله في «إسرائيل» تزايد في حركة الهجرة المعاكسة نحو الأوطان الأصلية لليهود في أوروبا، وفي تفضيل الهجرة إلى الولايات المتحدة لضمان حياة آمنة وضمانات اجتماعية أفضل مما تقدمه منظمة (فلنعطِ الفقراء) التي بدأت تشكو من عدم قدرتها على تغطية ما يحتاجه العدد المتزايد من الإسرائيليين الذين يعيشون تحت خط الفقر رغم اغتصابهم وطن وممتلكات شعب كامل.
ولذلك من الواضح أن نتنياهو يتطلع إلى نهب أموال دول النفط العربية لكي تساعده هذه الأموال على تقديم المساعدات الغذائية والمالية للأعداد المتزايدة من المحتاجين الإسرائيليين لإغرائهم بالبقاء مغتصبين لوطن وممتلكات الشعب الفلسطيني.

print