إنّ التفكير الجيوستراتيجي متواصل لا يتوقّف.. تتوقف الحروب ويستمر التفكير في الجغرافيا السياسية.. أحياناً تنشب الحروب- وهي منذ كلاوزفيتش امتداد للسياسة بأساليب أخرى- ولكنها حين تنشب يكون التفكير الجيوستراتيجي قد خطا خطوات أبعد من تلك الحرب نفسها.. هناك نقبض على مقاصد الجيوستراتيجيا، على ما لم يكن بالإمكان أن نفهمه من خلال الوقوف على بعض تفاصيل استراتيجيا تلك الحرب وتكتيكاتها.. إنها لعبة الدومينو.. وهكذا حينما بدأت الحرب العراقية- الإيرانية دعا بريجنسكي إلى التفكير في حرب بديلة قبل أن تضع تلك الحرب أوزارها.. دعا إلى التفكير في حرب جديدة لأن هذه الحرب سوف تنتهي يوماً ما حتماً فما البديل عنها؟.. حينئذ كان التفكير جارياً وهو ما يفسر حرب الخليج الثانية وما يجري اليوم.
.. فقط التفكير الجيوستراتيجي يعطينا فكرة كاملة عن الأسباب الحقيقية لمثل هذه الحروب التي عادة ما تنشب لأسباب غير مقنعة.. اعترف صدام حسين في المراسلات، التي باتت في متناول الرأي العام اليوم، بخطئه في التورط في تلك الحرب.. لكن كان الوقت قد فات، والجروح كبيرة، والدم أغرق المجال، وكانت الإمبريالية تضع اللّمسات الأخيرة على مخطط غزو العراق.. . مراسلات صدام حسين قبيل الغزو شهادة كافية على أنّ العراق حارب إيران بدوافع أمريكية، بل في تسجيل صوتي لصدام أكّد أنّ بعض دول الخليج كان يعرقل إيقاف الحرب.. قال ذلك في الوقت الحرج كاعترافات في زمن يصعب تغيير المزاج الذي خلفته الحرب العراقية- الإيرانية.. لا ندري حقيقة إن كانت عملية إعاقة كل أشكال الوساطة بين العراق وإيران يومها سببها دول الخليج، بل سيتحدث وزير الدفاع الجزائري السابق المتقاعد الجنرال خالد نزار، في الجزء الثاني من مذكراته الذي أنهاه مؤخّراً، عن اتهام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بالضلوع في حادث مقتل وزير الخارجية الجزائري السابق محمد الصديق بن يحيى و13 جزائرياً آخرين، في أيار 1982.. لأن وزير الخارجية الجزائري كان «في مهمة سلام في المنطقة لوقف الحرب العراقية- الإيرانية» التي استمرت ثماني سنوات (1980-1988). لست هنا في وارد الحديث عن صدام حسين، ويوميات تلك الحرب، ولكن أريد أن أصل إلى نقطة لها علاقة بالتفكير الجيوستراتيجي وكيف تستطيع الإمبريالية اختلاق حروب تستغل فيها الهشاشة الجيوستراتيجية للعرب.. حينئذ كان الرئيس حافظ الأسد الرّجل الوحيد الذي قهر الغرب و«إسرائيل» جيوستراتيجياً، قال عندما سمع بخبر احتلال صدام للكويت: «لا أدري إن كان هذا رجلاً مجنوناً..» وكان يا ما كان.. حين نراجع مذكرات القيادي الفلسطيني بسام أبو شريف مؤخّراً، سنقف عند تلك الحقيقة حيث قال: إن أمريكا أوقعت صدام في مصيدة الكويت.. بعد نهاية الحرب بدأ العمل على خلق بيئة حرب جديدة.. يقول أبو شريف أن سكوكروفت- مستشار الأمن القومي قام بإصدار الأوامر لتزويد العراق بكشف كامل عن كميات النفط التي استخرجتها الكويت «خلال حرب ايران- العراق» من آبار عراقية على الحدود، وبلغت قيمتها تسعة مليارات دولار.. وأوحى العملاء لصدام بأن يصر على تحصيل المال من الكويت.. كان للعراق خطتان: الأولى إجبار الكويت على أن تدفع مستحقات العراق، وكانت له خطة بديلة في حالة الرفض ألا وهي الحرب.. لكن صدام كان يدرك تماماً أهمية الموقف الأمريكي، فطلب من السفيرة الأمريكية «غلاسبي» نقل رسالة إلى واشنطن يطلب فيها العمل على إقناع الكويت بدفع مستحقات العراق التي قام الأمريكيون بإبلاغ العراق بها.. وجاء بعد يومين رد واشنطن؛ قالت السفيرة غلاسبي بالحرف «إن سياسة الولايات المتحدة تقوم على عدم التدخل في الخلافات والصراعات الاقليمية».. وحسب المصدر ذاته يقول: وعندما سألها وزير الخارجية: ماذا عن الاحتمال الثاني أي تحصيل حقوقنا بالقوة في حال رُفض الحل السياسي؟ قالت السفيرة غلاسبي «لن نتدخل في الصراعات الإقليمية».. وفي الوقت ذاته كان هناك تحريض للكويت بعدم الدفع.
يلاحظ المصدر ذاته أن السفيرة غلاسبي اختفت تماماً إلى اليوم، يتساءل: هل كان اختفاؤها يعني إتلاف الدليل؟ ويزعم أبو شريف، وهو أحد مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بأنه يمتلك ملاحظات عما قاله سكوكروفت لمجلس الأمن القومي قبل غزو العراق، يقول سكوكروفت لمجلس الأمن القومي: «أيها السادة يبدو أننا مقبلون على حرب في الشرق الأوسط، فقد شجعنا العراق على غزو الكويت، وشجعنا الكويت على عدم الدفع بالمال الذي يطالب به العراق، وسنتدخل لتحرير الكويت وإنهاء نظام الحكم في بغداد والسيطرة على نفط العراق».
في الحقيقة كانت النتيجة واضحة.. تحدثنا مراراً عن أنّه لا يوجد فراغ في التقدير الجيوستراتيجي ولاسيما في منطقة شديدة الحساسية.. بعد أن أصبحت البيئة قابلة لحرب جديدة لم تكن هناك حاجة لدليل مقنع لغزو العراق.
ويبدو أنّ التفكير ذاته ما زال مهيمناً على دول الخليج التي تفكّر من داخل بيئة لديها القابلية للاشتعال.. وتساهم تلك الدول في تأجيج المنطقة من دون أن تدرك أنّها ستكون الضحية الأخرى لهذا المخطط.. هنا تصبح المقاومة خطيرة لأنها تجعل ضحايا المخطط هم أنفسهم من انخرط فيه.. مازالوا يعدون أنفسهم أصدقاء للمحور الغربي وحلفاء تماماً كما ظنّ صدّام.. والخطأ الجيوستراتيجي هنا هو أنّهم أغفلوا ما أشرنا إليه في حكاية بريجنسكي ألا وهو الاستعداد لحرب جديدة قبل أن تنتهي الحرب الأولى.. بالنسبة لبسام أبو شريف فإنّ الخطأ هنا يكمن في أن صدام حسين ظنّ أن أمريكا بعد أن خرج من الحرب مع إيران ستعده القوة الأساسية التي تعتمدها في المنطقة، الأمر الذي كان صعب المنال.
ويبدو هنا أنّ صدّام في أقلّ تقدير خاض حروباً في إطار خدعتين.. والخدعة هنا لا معنى لها في تقدير الجيوستراتيجيا، أمريكا تفكر في قلب العالم، وهم يفكرون في حدود الشرق الأوسط، لم يستفد من مثال الشّاه الذي كان شرطياً في المنطقة ثم سرعان ما تخلت عنه واشنطن.. كما أنه هو نفسه حارب إيران ولكن تخلت عنه واشنطن والغرب ودول الخليج التي حرّضته على حرب الثماني سنوات..
مسلسل الخداع هذا يؤكد أن العراق لم يكن يمتلك رؤية جيوستراتيجية، حيث الحرب ليست لها قيمة في ذاتها إلا من حيث هي استمرار للسياسة.. الحديث هنا عن الخدعة يعكس هشاشة العقل السياسي العربي الذي كانت وما زالت تعالج به العلاقات الدولية.. من يجهل شروط وأبعاد الجيوستراتيجيا ليس له الحق في أن يتحدّث عن الخدعة.. بل الحديث عن الخدعة يصلح تسلية للتّاريخ.. ومازالت الأخطاء ذاتها ترتكب في المنطقة.. ابتلاع طعم الآمال التي تلوّح بها الإمبريالية.. التفكير ضدّ الجغرافيا.. وما زالت تداعيات أخطاء الجيوستراتيجيا العربية ذات أثر على مجريات الأزمة في المنطقة.. إنها حروب تولد منها حروب جديدة.. ففي منطقة فيها النفط و«إسرائيل» يصبح الحديث عن تحالف استراتيجي مع الغرب بلا شروط.. قمة في السّخف.

*كاتب من المغرب

print