كاتب معلى عكس مقولة كارل ماركس في نقده فلسفة الحق عند هيغل «أن التاريخ يعيد نفسه مرتين؛ في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة» جاء الرد الأمريكي على هبوط القاذفات الاستراتيجية الروسية من طراز «تو 160» مأسوياً، فاكتفى وزير الخارجية الأمريكي جورج بومبيو بـ«تغريدة» تصف الحادثة بأنها «هدر للمال العام»!.
في العام 1962 عندما اندلعت أزمة الصواريخ الكوبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، أطلق الرئيس الأمريكي كينيدي إنذاره للأسطول السوفييتي، ووقف العالم على بعد سويعات من حرب عالمية ثالثة، لولا تراجع الرئيس السوفييتي خروتشوف في اللحظات الأخيرة، يومها سرت شائعات عن تعهد أمريكي بعدم مهاجمة كوبا مقابل التراجع السوفييتي، لكن ذلك لم يشفع لخروتشوف الذي قامت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي بتنحيته، وكان موقفه الهزيل في أزمة الصواريخ الكوبية واحداً من الأسباب التي سيقت لتسويغ عزله عن قيادة الحزب والدولة.
رغم القناعة التي يمتلكها الجميع بأن الفرق في الوضع الدولي ما بين عامي 1962 و2018 يصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة أن روسيا اليوم تكاد لا تمتلك حليفاً في أوروبا، بل أن أذرعة الـ«ناتو» وصلت إلى حديقتها الخلفية ونصبت صواريخها في أوكرانيا وبولندا ودول أخرى مما عرف يوماً بدول حلف وارسو، إلا أن غض الطرف الأمريكي عن وصول طائرات استراتيجية روسية إلى فنزويلا، واكتفاء الـ«ناتو» بتحرش غير ذي بال قامت به طائرات من سلاح الجو النرويجي، يطرح التساؤل عن السبب.
يقول قائل: إن روسيا وفنزويلا اليوم ليستا الاتحاد السوفييتي وكوبا في الستينيات وفي أوج الحرب الباردة، والإشارة هنا إلى التهديد العقائدي الذي مثلته اشتراكية الاتحاد السوفييتي في مواجهة رأسمالية الغرب، يبدو هذا التساؤل مشروعاً ومنطقياً، إلا أنه يغفل أن الخلاف العقائدي كان اقتصادياً في جذوره وفروعه، وأن الرأسمالية ليست عقيدة تخشى سيطرة العقائد الأخرى، ولكنها نظام اقتصادي لا يتحرك إلا لتحقيق مصالحه الاقتصادية، لذلك فإن الحروب العالمية في عصرنا الحديث وقعت بين قوى رأسمالية تصارعت على اقتسام العالم، في حين انسحب لينين عشية انتصار «ثورة أكتوبر المجيدة» من الحرب العالمية الأولى، وحاول ستالين تجنيب الاتحاد السوفييتي المشاركة في الحرب العالمية الثانية من خلال توقيع معاهدة مع ألمانيا قبيل وقوع تلك الحرب.
لقد ورث الاتحاد الروسي الإرث السياسي والدبلوماسي للدولة السوفييتية، ومنذ سطوع نجم الرئيس فلاديمير بوتين، بدأ حملة لتصحيح الأخطاء الكارثية التي ارتكبها الرئيس بوريس يلتسين، الذي ارتمى في حضن الغرب بشكل تام، وكاد يقوض كل ذلك الإرث.
لو تأملنا حلفاء روسيا اليوم، لوجدناهم حلفاء الاتحاد السوفييتي السابق نفسهم (سورية، كوبا، الجزائر، الهند، وحركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية)، واستطاعت الدبلوماسية الروسية أن تكتسب حليفاً مهماً هو إيران، ناهيك بفنزويلا كقاعدة متقدمة في أمريكا اللاتينية، رغم هذا كله، فإننا لا نجد إجابة عن سبب التقدم الروسي والتراجع الأمريكي.
الإجابة موجودة في مكان آخر من العالم، وبشكل خاص في سورية، وجنوب لبنان واليمن وفلسطين، لقد منح الصمود الأسطوري للجيش العربي السوري في مواجهة المخطط الإمبريالي روسيا الفرصة للتقدم نحو المنطقة بخطوات ثابتة، وصلت أوجها في أيلول 2015 عندما أعلن الكرملين الانخراط العملي للقوات الجوية الفضائية الروسية في دعم الجيش العربي السوري وحلفائه، وهو الأمر الذي تكلل بسلسلة من الانتصارات جعلت من روسيا اللاعب الرئيس في منطقة حيوية واستراتيجية جيوسياسياً واقتصادياً بالنسبة للعالم الرأسمالي، كما أن العمل والتنسيق على الأرض مع قوات الجيش العربي السوري، والمستشارين الإيرانيين، منح التحالف الثلاثي اليد العليا في التعامل مع الواقع على الأرض فلاحظنا تبادل الأدوار في المعارك المختلفة، الذي كان واحداً من العوامل الحاسمة في النصر، هذا التحالف العملياتي على الأرض منح التحالف السياسي عمقاً أكبر، تتم ترجمته في ساحات العمل الدبلوماسي والدولي، لذلك فإن أي مواجهة مهما كانت بعيدة ستجد ترجمتها في المنطقة التي يتم فيها الاحتكاك المباشر بين روسيا والولايات المتحدة، ألا وهي سورية، فإذا كانت للولايات المتحدة اليد العليا في أمريكا اللاتينية، فإن التنسيق مع الروس هو الذي يحمي القواعد الأمريكية والفرنسية في مناطق شرق وجنوب شرق سورية، وأي مواجهة حقيقية على الأرض ستكبد الأمريكيين هزيمة مذلة، وقد تكون الشرارة لمواجهة أكبر يرغب الجميع في تجنبها.
انتصار الجيش العربي السوري وصمود المقاومة في جنوب لبنان، وصمود الشعب اليمني في وجه الحرب السعودية– الأمريكية، استطاع فرض شروط اشتباك جديدة على مستوى العالم، ولا تمر الرأسمالية اليوم في أزمة إلا ويطاردها شبح هزيمتها في سورية، هذا ما عبر عنه متظاهر في شوارع باريس، عندما سأله التلفزيون الفرنسي عما يريد قوله فأجاب: «تعيش سورية، يعيش بشار الأسد ووالده حافظ الأسد.. تعيش الحرية».

*كاتب من الأردن

print