لطالما اعـتـقـد قـدمـاء الـيـونـان أن الأرقـام تـغـزو الـعـالـم وفسر البعض اعـتـقـادهـم هـذا بأنه قد تم بناؤه عـلـى إدراك سـحـري لـلـعـدد من حيث إنـه بـمـثـابـة كـائـن مـيـتـافـيـزيـقـي إلا أن الـيـوم الكل قد أصبح على يقين أن الـكـون كلـه نـظـام عـددي وأن الحـيـاة الـيـومـيـة حـافـلـة بـالـفـكـر الـرّيـاضـي من حيث إن كـل مـا يتم الـتـعـامـل بـه يـحـتـوي عـلـى نـظـام عـددي.

وبحسب بـرغـسـون فإن الـعـلـم الـحـديـث هو ابـن الـرّيـاضـيـات حيث لـم يـتـولـّد إلاّ بـعـدمـا صـار الـجـبـرُ مـرنـاً عـلـى شـَبـكِ الـحـقـائـق وإيـقـاعـهـا فـي حـبـائـل مـنــسـابـة مما حدا بأوغـسـت كـونـت على أن يعرف الـرّيـاضـيـات بأنها الأدلـة الـضـروريـة لـجـمـيـع الـعـلـوم..

وبالتالي إن الـرّيـاضـيـات أضحت الـمـثـل الأعـلـى لـجـمـيـع الـعـلـوم فـي الـدقـة من حيث ‘نها كـلـمـا دخـلـت إلـى عـلـم مـن الـعـلـوم دفـعـتـه نـحـو الـدقـة ومـنـحـت الـعـلـمـاء الـلـغـة الـتـي يـعـبـرون بـهـا عـن الـقـوانـيـن، وبحسب بـرغـسـون هي الـلـغـة الـوحـيـدة الـتـي يـجـب أن يـتـكـلـم بـهـا الـعـالـم فـدقـة أي عـلـم مـن الـعـلـوم تـقـاس بـمـدى اسـتـخـدامـه لـلـرّيـاضـيـات..

وبالطبع إنها قد غـزت الـعـلـوم الـطـبـيـعـيـة ووصـلـت حـتـى الـعـلـوم الإنـسـانـيـة كـعـلـم الاجـتـمـاع وعـلـم الـنـفـس حتى بات العالم كله يـعـيـش فـي كـون ريـاضـي بـالـرغـم مـن أن الـقـلـيـل يـشـعـر بـذلـك، على أنه فـي الـرّيـاضـيـات الـمـعـاصـرة لا انـفـصـال بـيـن الـكـائـنـات الـرّيـاضـيـة والـواقـع الـفـيـزيـقـي ففـي الـتـصـور الـمـعـاصـر كـل الـكـون يـخـضـع لـتـفـسـيـر عـددي لأنـه يـمـلـك بـنـيـة ريـاضـيـة قـابـلـة لـلـتـفـسـيـر الـرّيـاضـي..

ومن المهم الإشارة هنا إلى أنه لـم تـتـطـور الـعـلـوم إلاّ بـعـدمـا أدخـلـت عـلـى مـنـاهـجـهـا الـتـفـكـيـر الـرّيـاضـي سواء أكانت الـفـيـزيـاء أو عـلـم الـنـفـس أو الـبـيـولـوجـيـا أو الاقـتـصـاد أو غيرها من العلوم فالـكـل لا يـصـل إلـى هـدفـه مـا لـم يـسـتـخـدم الـتـقـنـيـات الـرّيـاضـيـة، من حيث إن أي تـخـيـل عـلمـي وأي تـفـكـيـر عـلمـي لا بد وأن تكـون الرّيـاضـيـات جـزءاً مـنـه لـذلك تم اعتبارها أكـثـر مـن عـلـم من حيث إنّـهـا تعد الـنـظـام الـعـام لـلـفـكـر ولـلأشـيـاء.

::طباعة::