أفرزت الأزمة العديد من المشكلات التي أصابت مختلف القطاعات الاقتصادية، وانعكست بشكل سلبي على واقع أقله في المنتجات والسلع الغذائية والصناعية المنتجة، وكثر معها المستغلون ما أدى إلى انعدام الجودة في هذه المنتجات وبات الغش نوعاً من السلوك السلبي لدى البعض، الأمر الذي أدى إلى تفاقم شكاوى المستهلكين من جودة تلك المنتجات وفقدان الثقة بينها وبين المنتج، ذلك أن حالات ضعف الجودة والغش يعكسها واقع السوق والمخالفات وعدد الضبوط التي تنظمها مديريات حماية المستهلك، ومهما تكن المسوغات من تذرع البعض بالحصار الاقتصادي الجائر على مستلزمات الإنتاج والمواد الأولية لهذه المنتجات أو صعوبة الحصول عليها فهو لا يسوغ أن تغص الأسواق بالمغشوش منها بدءاً بصناعة المنظفات والأدوية وليس انتهاء بالصناعات المنزلية المختلفة التي تفتقر لأدنى المواصفات والمعايير السورية.
وهنا يتساءل الكثيرون: ما هي الأسباب، أو العوامل التي تؤدي إلى ضعف إقبال المواطن على شراء المنتجات المحلية، على الرغم من توافر البدائل الأكثر جودة ومحلية المنشأ منها إلا أن الأغلبية العظمى من المواطنين تقبل على شراء المنتجات والسلع المستوردة، ففي رأي فراس أن سبب عدم الثقة بالمنتج المحلي هو انخفاض الجودة بمعظم المنتجات، مشيراً إلى أن هذا لا يعني أنه لا توجد لدينا منتجات ذات جودة عالية لكن سعرها مرتفع وقد لا تناسب الفئة العظمى من المواطنين، وأحياناً نجد المنتجات السورية ذات الجودة العالية تصدّر إلى الخارج.
الدكتور سامر الدبس- رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها بيّن أنه من حق المستهلك الحصول على سلعته بجودة عالية تخدم مقتنيها لكونه لا يستطيع أن ينفق ماله في غير موضعه، أو شراء منتج للتجربة وأن طرح منتجات لا تحقق الجودة هو عمل يدل على قصر نظر الصناعي في تحقيق الربح على حساب الجودة، وأوضح الدبس أن معظم صناعيينا أصبحوا على دراية بأهمية تطوير الصناعة المحلية من خلال تطبيق معايير الجودة والأساليب الحديثة في الإنتاج ومواكبة التغييرات الفنية والتسويقية التي تحدث في العالم، فمؤشر نجاح الصناعات وازدياد الطلب عليها هو إيجاد مكان لائق لها في الأسواق المحلية ومنحها الدعم الكامل لجميع القطاعات، ما يساهم في تحقيق الفائدة لجميع الأطراف وحل المشكلات الاقتصادية مثل البطالة وغيرها. وأشار د. الدبس إلى أننا على يقين بأن العمل على ترسيخ ثقافة اقتناء المنتج الوطني في ذهنية المواطن يكمن في التركيز على الدعاية والإعلام المتطور لتنشيط حركة السوق المحلية فهو مطلب يجب أن تعمل عليه كل القطاعات الصناعية بالرغم من الثقة المكتسبة من المستهلك لمعظم المنتجات الوطنية من جودة وإتقان وتأمين خدمات ما بعد البيع خاصة في قطاع الصناعات الهندسية.
موضحاً أن الصناعة السورية أدهشت بصمودها وثباتها خلال سنين الأزمة الجميع فكانت بحق رديف الجيش العربي السوري في صمود سورية الاقتصادي، وذلك بتأمينها كل المستلزمات الحياتية للمواطن السوري رغم الحرب والحصار الظالم على مقومات اقتصادنا وكانت منتجات صناعتنا الوطنية الغذائية والدوائية والملابس والأدوات المنزلية متوافرة بجودة يشهد لها محلياً وإقليمياً.
إغلاق نهائي..!!
عبد المنعم رحال- معاون مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق يشير إلى نوعين من الضبوط التي يتم تنظيمها وتظهر في العينات الغذائية وغير الغذائية منها ويتحدث عن 350 عينة مخالفة لمواد غذائية متنوعة (ألبان– أجبان– زيوت- وسمون) لدى تحليلها.
إضافة لضبوط الغش التي تظهر بالمشاهدة مثل نقص الوزن – انتهاء الصلاحية، فقد تم ضبط 440مخالفة لهذا النوع، إضافة لذلك يتم إغلاق منشآت ارتكبت مخالفات جسيمة وفي مثل هذه المخالفات فإن الضبط يحال إلى القضاء المختص ولا تجري عليها تسوية لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
بدوره د. ماهر ريا- مدير الشؤون الصحية في محافظة دمشق بين أن المديرية أغلقت ما يزيد على 30معملاً يصنع المواد الغذائية ويطرحها في الأسواق إضافة إلى منشأتين لتصنيع المواد الغذائية و40 مستودع، إضافة لسحب 1000 عينة لكل المواد الغذائية أظهر وجود 182 عينة مخالفة.
د.حيان سليمان- الخبير الاقتصادي أوضح أن موضوع ثقة المواطن بأي سلعة هو موضوع تراكمي، فقبل الحرب على سورية كانت ثقة المواطن بالداخل والخارج وحتى الأجانب بالمنتج السوري ثقة كبيرة بدليل أنه وصل تصدير الأدوية السورية إلى أكثر من 96 دولة حول العالم، ولكن يجب هنا أن ندرس لماذا تراجعت الثقة ويمكن أن نجيب، لعدة أسباب أولها غياب الصناعات الأساسية، فعلى سبيل المثال عندما نتحدث عن شركة تاميكو لصناعة الأدوية فإننا نتحدث عن شركة عملاقة بكل ما تعني الكلمة، أو عن شركات الألبسة أو المواد الغذائية… الخ.
هذه الشركات تم تدميرها من العصابات الإرهابية، وتمت الإساءة لها وسرقة آلاتها ومعداتها، فانطلقت منها بعض الورش الصغيرة التي أرادت أن تسد أو تلبي الفجوة التسويقية أي الفارق بين العرض والطلب في السوق، وبدأت تنتج منتجات يمكن أن نقول عنها إنها لا تتمتع بالمواصفات الفنية، ومن جراء استخدام المواطن هذه المنتجات بدأت ثقته بالمنتج السوري تتراجع، ليس هذا فقط وإنما انعكس على الخارج وخاصة في ظل توجه الكثير من المنتجين إلى ضغط التكلفة على حساب النوعيات.
النقطة الثانية وهي أنه تم تهريب الكثير من السلع من دول شاركت في التآمر على سورية مثل الأردن- تركيا، وهذه العملية كانت تتم عن طريق أشخاص معينين تنقصهم (الجرعة الوطنية) وكانوا يقيمون ورشاً معينة من أجل استبدال الماركة ولصق ماركات جديدة على بعض العبوات لهذه المواد وإدخالها إلى الأراضي السورية على أنها منتج سوري وهي في الحقيقة ليست منتجاً سورياً على الإطلاق، وهناك سبب ثالث وهو العقوبات الاقتصادية والحصار منذ آذار 2011 وحتى الآن، هذا الموضوع أساء كثيراً إلى المنتجات السورية من خلال مدخلات العملية الإنتاجية التي تتكون من مستلزمات ومن متطلبات المادة الأولية، كما تراجع أيضاً متوسط دخل الفرد فبدأ المواطن السوري يميل إلى ما نسميه في علم الاقتصاد (السلع البديلة) أي ليست السلع الأساسية، من هنا بدأت السلع الرديئة تحلّ تدريجياً مكان السلع الجيدة وكما يقال في أوقات الأزمات تطرد العملة السيئة العملة الجيدة وينطبق هذا على أن السلع الرديئة تطرد السلع الجيدة.
النقطة الأخيرة تراجع متوسط الدخل إضافة إلى زيادة معدل البطالة وإلى زيادة معدل العمالة أيضاً، فأصبح هم المواطن السوري أن يشتري بأبخس الأسعار وتدبير لقمة عيشه يوماً بيوم وهذا بشكل طبيعي أدى به إلى التوجه نحو السلع الرديئة، رغم أن سعرها زاد، بدلاً من السلع الجيدة ذات السعر المرتفع.
وأما عن لجوء المواطن السوري إلى شراء الأدوية الأجنبية فكان رأي د. حيان سليمان هو أن الدواء السوري يتمتع بمواصفات عالية الكفاءة وبأسعار معقولة، ولكن لايزال حتى الآن عدد كبير من المواطنين ميالين إلى اقتناء الدواء الأجنبي وشرائه بسعر عال، وبشهادة مؤسسات طبية عالمية فإن الدواء السوري حقق نقلة نوعية وأثبت كفاءته وهو في تطور مستمر.
الأدوية المحلية خارج المنافسة
رغم تفوق الأدوية المحلية على مدى السنوات السابقة إلا أنها مازالت تفتقر إلى الثقة داخل الأسواق المحلية سواء من جانب المستهلكين أو من جانب الأطباء الذين يفضل 70% منهم الأدوية الأجنبية، التي غالباً ما تكون أسعارها أضعاف المحلية منها، فما السبب لتفضيل البعض الأدوية الأجنبية مادامت هناك أدوية محلية مسجلة ومعتمدة من الجهات الصحية والدوائية المختصة.
د. محمود الحسن- نقيب صيادلة سورية أوضح أن الدواء السوري له سمعة قوية في الكثير من دول العالم وهذا يثبته الطلب على الدواء السوري في أكثر من ٥٣ دولة، الكثير منها أسواقها مفتوحة لكل دول العالم وتالياً المنافسة فيها قوية، وقد أثبت فعالية عالية.
فتوجه البعض من المستهلكين للدواء الأجنبي يرتبط بعقدة نقص عندهم وليس بسوء في صناعة الأدوية، وعادة هؤلاء أنفسهم لا يثقون بأي منتج وطني من الطعام واللباس ولا يقتصر سلوكهم على استهلاك الأدوية، ولكنهم لا يشكلون نسبة كبيرة فمعظم المواطنين يستخدمون الدواء الوطني وهو فعال في علاج الأمراض، وهذا الواقع نحن نعيشه.
ففي الأساس المواد الفعالة كلها من مصادر أجنبية، لذلك ليس من مسوغ لعدم الثقة بالدواء الوطني الذي يوفر الكثير على المواطن السوري.
منوهاً بأنه في الصناعة الدوائية لا يوجد دواء فعال وآخر غير فعال فالجودة في الصناعة ليست رفاهية وإنما هي شرط من شروط التصنيع وتدعى شروط التصنيع الجيد GMP، وتالياً هناك رقابة أثناء التصنيع لا تسمح بحدوث أخطاء فردية، وتتم مراقبة المنتجات الدوائية حتى بعد التوزيع من الرقابة الدوائية الصارمة لوزارة الصحة، وأي انحرافات تظهر عن القيم المرجعية الدستورية تؤدي إلى سحب هذه المنتجات من التداول وهذا الإجراء يتم في كل دول العالم وهو طبيعي، لذلك ومع وجود الرقابة الدورية لا تصل الأمور إلى حالة مخالفات تستوجب إغلاق معمل، ولاسيما أن كل معمل دوائي يحتوي مخابر رقابة جودة متطورة جداً كشرط من شروط ترخيص وافتتاح المعامل.

::طباعة::