لم يكن العشرون من أيار 2017 يوماً عادياً لفلاحي ومزارعي محافظة الحسكة، بل كان يوماً كارثياً بكل مافي هذه الكلمة من معنى، وذلك لأن عاصفة غبارية ورياحاً قوية هبت على المحافظة وقضت على البقية الباقية من المحاصيل الطبية والعطرية المزروعة وخاصة محصول الكمون، وذلك نتيجة تطاير الكميات المحصودة يدوياً والموضوعة في الحقول بانتظار نقلها للأسواق. ونقول البقية الباقية لأن الأمطار التي شهدتها المحافظة بغزارة قبيل هذه العاصفة بأيام أدت إلى تضرر مساحة 850 دونم قمح و900 دونم شعير في منطقة الدرباسية شمال الحسكة. وتلا هذه الأمطار سطوع شمس شديد ما أدى إلى إصابة نصف المساحة المزروعة بمحصول الكمون، والبالغة نحو 60 ألف هكتار، بلفحة حرارة. أما النصف الآخر من هذه المساحة فقد أدت الرياح الشديدة الجنوبية الغربية والمحملة بالغبار إلى تطاير الكميات المحصودة منه يدوياً، وقسم من المساحة المحصودة أيضاً يدوياً من الحقول المزروعة بالعدس إلى جانب حدوث رقاد بالقمح المروي وتكسير بالشعير بنسبة 5%.
وهذا يعني أن مزارعي المحاصيل الطبية والعطرية عانوا الأمرّين من جراء هذه الظروف الجوية، الأمطار ومن ثم الرياح ما جعل هذه المحاصيل في مهب الريح، ومن جراء هذه الكارثة التي حلت بمزارعي المحاصيل الطبية والعطرية وعلى رأسها الكمون وأدت إلى خسائر مالية كبيرة لأن كل ما وضعه المزارعـون من أموال في زراعة هذه المحاصيل جاءت الأمطار وأخذت ثلثه ومن ثم جاءت اللفحة من حرارة الشمس وأخذت ثلثه الثاني لتأتي الرياح بعد ذلك وتأخذ ما تبقى منه، حصلت نتائج كارثية أخرى، ونشبت خلافات حادة بين المزارعين الجوار نتيجة تطاير النباتات المحصودة من هذا الحقل إلى الحقل المجاور، وعندما بدأت المطالبات بين المزارعين لاسترداد الكميات المتطايرة ووصلت الخلافات إلى حد التقاتل حتى بين الإخوة من المزارعين المتجاورين، وذلك لأن الأرباح التي كان يأمل المزارعون الحصول عليها مرتفعة جداً ولم تكن عقولهم لتستوعب وتتحمل أن هذه الأرباح المرتفعة طارت بلمح البصر مع تطاير الإنتاج بسبب هبة ريح وزخة مطر ولفحة شمس.
أما في الموسم التالي فجاءت الأمطار الغزيرة التي شهدتها المحافظة قبيل حصاد المحاصيل الطبية والعطرية لتقضي على هذه المحاصيل قضاء مبرماً.

إقبال شديد
هذه الصورة تعكس مدى الإقبال الشديد من الفلاحين والمزارعين في محافظة الحسكة على زراعة المحاصيل الطبية والعطرية بأضعاف مضاعفة عن الأرقام المقررة في الخطة الإنتاجية الزراعية، حيث تتضمن الخطة زراعة مساحة لا تتجاوز 6 آلاف هكتار بجميع المحاصيل الطبية والعطرية في حين أن ما يزرع على أرض الواقع وصل إلى 60 ألف هكتار بمحصول الكمون وحده ونحو 50 ألف هكتار بمحصول الكزبرة ناهيك بالمساحات المزروعة بمحصول حبة البركة والمحاصيل الأخرى، لدرجة أنه من النادر أن تجد مزارعاً في المحافظة لم يقم بزراعة حقله جزءاً أو كلاً بمحصول من المحاصيل الطبية والعطرية، كزبرة أو كمون أو حبة البركة، أو غيرها من هذه المحاصيل، حيث أصبح الموضوع موضوع هوس أكثر منه شيئاً آخر، والشغل الشاغل لجميع مزارعي المحافظة، في الوقت الذي وصلت فيه أسعار منتجات هذه المحاصيل إلى أرقام كبيرة، فقد بلغ سعر كيلو الكمون في أرضه 1200 ليرة، في الوقت الذي لم يتجاوز فيه سعر كيلو القمح المئة ليرة وربما أقل آنذاك، وهنا يكمن السر في هذا الإقبال الشديد والمنقطع النظير على زراعة المحاصيل الطبية والعطرية من مزارعي محافظة الحسكة، والذي يندرج ضمن المعادلة الآتية: تكاليف قليلة وأرباح كبيرة.
فعلى حساب أي من المحاصيل كانت تزرع المحاصيل الطبية والعطرية؟ وما هي منعكسات ذلك على الواقع الزراعي والاقتصادي في المحافظة، بل في سورية كلها، وذلك لأن محافظة الحسكة تقدم سنوياً ما يعادل 40 إلى 45 بالمئة من إنتاج سورية من القمح مثلاً، فإذا ترك مزارعو الحسكة زراعة القمح واستبدلوها بزراعة الكمون والكزبرة وحبة البركة من أين وكيف سيتم تأمين احتياجات السكان من القمح سواء للخبز أو للاستخدامات الأخرى كالصناعات الغذائية.
توابل وأشياء أخرى
قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة دعونا نتعرف على المحاصيل الطبية والعطرية، ما هذه المحاصيل، إذ ربما لا يعرف الكثيرون منا شيئاً عن هذه المحاصيل سوى اسمها، وأنها من التوابل. أما ماهي هذه المحاصيل وما ميزاتها حتى تباع بهذه الأسعار المرتفعة، فهذا ما يجيبنا عنه معاون مدير الزراعة في الحسكة المهندس رجب السلامة.. ونبدأ بالمحصول الأهم والأكثر شهرة وإقبالاً في محافظة الحسكة وهو محصول الكمون، الذي قال عنه المهندس سلامة: الكمون نبات عشبي حولي محدود النمو، يصل ارتفاع النبات من 30-40سم والأوراق مركبة رفيعة لونها أخضر داكن ويحمل النبات أزهار صغيرة بيضاء- أرجوانية في نورات خيمية والثمار بيضاوية مستطيلة تنشق كل منها بسرعة عند جفافها إلى ثمرتين منحنيتين، ولون الثميرة أخضر زيتوني، ويبلغ طولها من 0.4 – 0.7 سم وقطرها 2- 3 مم ورائحتها عطرية وطعمها مر قليلاً.
وتعد بذور الكمّون مكوّناً أساسياً في العديد من البهارات المختلطة، والصلصات، ومساحيق الفلفل الحار، والكاري، وهي منتشرة بشكل كبير خاصّةً في المطابخ الآسيوية، والشمال أفريقيّة، واللاتينيّة، وتمتلك رائحة مُميّزة ثقيلة وقوية، وقد استخدمت بذور الكمّون دواء منزلياً على نطاق واسع، كما يتمّ استخدامها طبيّاً اليوم في الطب البيطري بشكل أساس. وتحتوي بذور الكمّون على نسبةٍ من الزيت الأساس تتراوح بين 2.5 و4.5 في المئة؛ ويعدّ المركب العضوي المعروف باسم (cumaldehyde) المكون الرئيس له، ويستخدم الزيت في صناعة العطور، ولأغراض طبيّة أيضاً.
ويحتل محصول أو نبات الكزبرة المرتبة الثانية بعد الكمون من حيث الشهرة والإقبال على الزراعة، وقد قال عنه المهندس السلامة أنه نبات عشبي حولي ذو رائحة عطرية قوية يصل ارتفاعه إلى 50 سم له أوراق علوية دقيقة التقطيع وأزهار صغيرة بيضاء أو قرنفلية اللون وتعطي ثماراً دائرية صغيرة صفراء إلى بنية اللون، وتعد الكزبرة من التوابل المشهورة.
ويأتي نبات أو محصول حبة البركة في المرتبة الثالثة ويصفها المهندس السلامة: حبة البركة، هي نبات عشبي ينتمي إلى عائلة اليانسون، وهو عشبة حولية، بارتفاع 30 – 50 سم، لها ساق منتصبة كثيرة التفرع، وأوراق دقيقة خيطية الشكل، وأزهار بيضاء مزرقة إلى رمادية، وثمار تحتوي على كبسولات في داخلها بذور بيضاء ثلاثية الأبعاد سرعان ما تتحول إلى اللون الأسود عند تعرضها للهواء، هذه البذور هي ما يسمى «حبة البركة».. ولحبة البركة شعبية كبيرة في العالم العربي والإسلامي، إذ عرفها العرب قبل آلاف السنين، وقد ذكرها النبي (ص) حيث جاء في صحيح البخاري قوله: «إن في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السأم» والسأم هو الموت.
ماذا يقول الفلاحون؟
أما لماذا كل هذا الإقبال من الفلاحين والمزارعين على زراعة هذه المحاصيل، فأجاب المزارع حميد العثمان هناك أسباب عديدة دفعتنا للإقبال على زراعة المحاصيل الطبية والعطرية أبرز هذه الأسباب التكاليف القليلة لهذه المحاصيل في مقابل مردودها العالي والسريع.
وقال الفلاح جاسم علوان لا تحتاج المحاصيل الطبية والعطرية إلى الكثير من الجهد والمتابعة مقارنة مع المحاصيل الأخرى وخاصة القمح. إذ يكتفي الفلاح أو المزارع بنثر البذور في الحقل، وتركها لبركة السماء حتى موعد الجني الذي غالباً ما يكون يدوياً بواسطة الأيدي العاملة. ومن ثم يتم طرح الإنتاج للبيع للتجار. وهذه الإجراءات لا تحتاج تكاليف مرتفعة، سوى تكاليف عمال الجني من أجور نقل وأجور جني.
المزارع عيسى العلي قال: مرت على المحافظة بسبب الأزمة الحالية ظروف قاسية أدت إلى عدم توافر مستلزمات الإنتاج للزراعة بصورة عامة وخاصة محصولات الحبوب كالقمح والشعير، الأمر الذي دفعنا للتوجه نحو زراعات بديلة، فكانت المحاصيل الطبية والعطرية هذه الزراعات.
الفلاح جدعان الخلف قال: أقوم بزراعة الكمون منذ سنوات، وفي البداية كانت الأرباح التي جنيتها جيدة، حيث بدأت بزراعة مساحة صغيرة على سبيل التجربة، وعندما نجحت توسعت بزراعة الكمون وحققت أرباحاً مجزية، لكن ما حدث في العامين الأخيرين من ظروف جوية غير مناسبة من أمطار ورياح وحرارة جعلتنا نخسر الأول والتالي.
المزارع نواف العبد الرحمن قال: إنه نتيجة لما مني به من خسائر خلال الموسمين الأخيرين قرر والكثير من المزارعين والفلاحين العزوف عن زراعة الكمون والكزبرة وحبة البركة، والعودة إلى زراعة الشعير بدلاً عنها.
الفلاح علي محمود اختصر الكثير من الكلام بجملة واحدة هي المحاصيل الطبية والعطرية إما أن ترفع المزارع إلى السماء إذا أقبلت، وإما تنزله إلى الأرض إذا أدبرت.
ماذا تخبرنا الأرقام؟
إذا أردنا أن نعرف واقع زراعة المحاصيل الطبية والعطرية في محافظة الحسكة بدقة وموضوعية علينا أن نلقي نظرة على واقع زراعة القمح زراعة وإنتاجاً، وذلك للارتباط الوثيق بين هذين النوعين من المحاصيل، فالملاحظ أنه كلما تقدمت وتوسعت زراعة المحاصيل الطبية والعطرية تراجعت زراعة القمح.
حيث تخبرنا الأرقام أنه في عام 2005 بلغت مساحة المروي من القمح 344.498 هـ ومساحة البعل 476.246 هـ ومباشرة في العام التالي 2006 انخفضت مساحة المروي إلى 329.811 هــ ومساحة البعل إلى 441.479 هــ واستمر التراجع في عام 2007 إلى 306.474 هـ مروي و3563.20 هـ، بعل وفي عام 2008 إلى 278.821 هـ مروي و298.474 هـ بعل لنصل في العام 2014 إلى 173.884 هــ مروي و323.752 هــ بعل ومن ثم إلى 157.606 هــ مروي و298.115 هــ بعل في عام 2015. أما بالنسبة للإنتاج فتراجع من مليون و266.138 طن سقي و443.250 طن بعل في موسم 2005 إلى 468.727 طن سقي و327.454 طن بعل فقط في عام 2015.
تراجع شامل
هذه الأرقام تبين بما لا يفسح المجال لأي شك تراجع محصول القمح في الحسكة.
وهنا نتساءل: ما الأسباب التي أدت إلى تراجع زراعة القمح بهذا الشكل المريع حقيقة؟ وما الإجراءات التي اتخذتها الجهات المعنية بشأن ذلك ولمنع هذا التراجع؟ وما الزراعات الأخرى التي أخذت تـُزرع مكان القمح في المحافظة؟ وما أهميتها وريعيتها الاقتصادية ولماذا ترك المنتجون زراعة القمح ولجؤوا إليها؟ وتالياً: هل يشكل ذلك خطراً على زراعة القمح في الحسكة؟ وما مستقبل هذه الزراعة؟ ولاسيما أن الحسكة لا تزرع لتطعم نفسها فقط بل تزرع لتأكل سورية كلها من إنتاجها؟.
مدير الزراعة المهندس عامر حسن قال: إن التراجع شمل المحاصيل الشتوية (الحبوب: القمح والشعير، والبقوليات كلها) لا محصول القمح لوحده. فقد بلغت المساحة المخططة في هذا الموسم لمحصول القمح 775.544 هـ، في حين بلغت المساحة المنفذة 455.716 هـ. وأكد أن أسباب عدم تنفيذ الخطة تعود إلى دخول المحاصيل الطبية والعطرية (كمون ــ كزبرة ــ حبة البركة- حلبة… الخ) بدلاً من المحاصيل الشتوية لكون هذه المحاصيل (يقصد العطرية والطبية) ذات دخل عال ٍ ولا تحتاج مستلزمات إنتاج (أسمدة وسقاية). ثم أضاف إلى هذا السبب ــ والذي يعد السبب الأهم من وجهة نظرنا- الأسباب الأخرى التي تـُذكر عند الحديث عن تراجع الزراعة في المحافظة عموماً، وهي أسباب حقيقية وموجودة فعلياً على أرض الواقع، لكنها أسباب عامة ولا تتعلق بتراجع زراعة القمح فقط. وهذه الأسباب هي عدم توافر مستلزمات الإنتاج ضمن الفترة المحددة للزراعة، وعدم توافر حوامل الطاقة (الكهرباء والمازوت) اللازمة لتشغيل محركات السقاية. وعدم توافر الأسمدة بشكل نهائي في المحافظة وإن وجدت في السوق السوداء فبأسعار باهظة جداً.
وأوضح المهندس حسن أن مديرية الزراعة قامت بتوجيه الدوائر الزراعية التابعة لها في المناطق والنواحي بالعمل على حث المنتجين على زراعة القمح من خلال عقد ندوات زراعية إرشادية حول أهمية زراعة المحاصيل الشتوية والخطورة التي تترتب على عدم زراعة هذه المحاصيل. كما خاطبت مديرية الزراعة الجهات المعنية وأعلمتها بواقع زراعة المحاصيل الشتوية وخاصة القمح. وعدم رغبة المنتجين بزراعة هذه المحاصيل والتوجه نحو زراعة المحاصيل العطرية. وإلى جانب ذلك طالبت مديرية الزراعة الجهات المعنية بضرورة زيادة أسعار شراء إنتاج المحاصيل الشتوية وتوفير مستلزمات الإنتاج في الوقت المحدد وبالأسعار المناسبة وخاصة الأسمدة والبذار الجيد والمحروقات ومستلزمات الإنتاج الأخرى.
كلام مرعب
وأطلق معاون مدير الزراعة المهندس علي الخلوف كلاماً مرعباً وهو إذا استمر الأمر على هذا النحو فإن اليوم الذي لن نرى فيه دونماً واحداً مزروعاً بالقمح في الحسكة وربما في غيرها من المحافظات لن يكون بعيداً. وهذا الكلام خطير جداً. وذلك لأن المنتجين يفضلون الربح السريع الآني وهذا أمر غير مضمون، فالمحصول الذي سعر إنتاجه مرتفع اليوم في السوق من المحاصيل العطرية والطبية قد لا يكون سعره كذلك غداً لأن أسعار منتجات هذه المحاصيل يحكمها العرض والطلب فإذا زاد العرض قل السعر وهكذا. وهذا متوقع لأن ارتفاع سعر مـُنـتـَج ما هذا الموسم سيدفع الكثير من المنتجين لزراعته في الموسم التالي ما يزيد الإنتاج ويرفع العرض ويقلل السعر. وذلك لأن المنتجات العطرية مرتبطة بسياسة السوق لا بسياسة الحكومة لأنها ليست منتجات استراتيجية. أما المحاصيل الشتوية وخاصة القمح فهو محصول استراتيجي تحكمه سياسة الحكومة وسعر شرائه تفرضه عوامل متعددة قد تختلف عما هو موجود في السوق، منها ضرورة المحافظة على هذه الزراعة وتشجيع الفلاحين على زراعة هذه المحاصيل لما لها من أهمية حتى لو اشترت الحكومة الإنتاج بسعر أعلى من سعره في الأسواق العالمية، وقد حدث ذلك مرات عديدة، وهذا أفضل للمنتج وأضمن على المدى البعيد.
هذا بالنسبة للمنتجين، أما التأثر العام فإذا تراجعت زراعة هذه المحاصيل سيُحرم البلد من إنتاجها ما يضطر الحكومة لشرائه من الأسواق العالمية بأسعار مرتفعة وبالعملة الصعبة. وذلك من أجل تأمين مستلزمات الخبز على الأقل.
تفاصيل
ودخل رئيس اتحاد الفلاحين ذياب الكريم بالتفاصيل عن هذا الموضوع، مضيفاً سبباً آخر لعزوف المنتجين عن زراعة القمح وهو غياب التسهيلات من قبل المؤسسة العامة لتجارة وتسويق الحبوب بخصوص التسويق. وضرب مثلاً على ذلك حدث هذا الموسم وهو رفض المؤسسة شراء الإنتاج المصاب بنوع من الحشرات رغم أنها -حسب كلامه- لا تؤدي إلى جعل الإنتاج غير صالح للاستهلاك البشري.
ومن التفاصيل التي ذكرها الكريم الإقبال الشديد للمنتجين على زراعة الحلبة مثلاً في الموسم قبل الماضي بسبب ارتفاع سعر شراء الكغ الواحد إلى 350 ليرة في الأسواق ما يجعل هذا المحصول مربحاً بشكل كبير جداً. وأوضح أن الأسباب (العامة المتعلقة بعدم توافر مستلزمات الإنتاج وحوامل الطاقة وعدم تحديد سعر مجز ٍ لشراء الإنتاج) هي التي دفعت المنتجين إلى المحاصيل العطرية والطبية, فمثلاً ذكرنا أن سعر شراء الكغ الواحد من الحلبة هو 350 ليرة وهو يعادل عدة أضعاف سعر الكغ من القمح، إضافة إلى أن زراعة الحلبة وغيرها من المحاصيل العطرية لا تحتاج مصاريف وتعباً كالتي تحتاجها زراعة المحاصيل الشتوية ذات التكاليف الإنتاجية العالية بسبب ارتفاع أجور اليد العاملة وأسعار مستلزمات الإنتاج من بذار وسماد ومحروقات لأن المنتج يقوم بتأمين هذه المستلزمات (إن وجدت) من السوق السوداء بأسعار مرتفعة جداً. فكل ما على المنتج فعله هو إلقاء بذار المحاصيل العطرية في الأرض وانتظار الإنتاج ليحصده ويبيعه في السوق فقط لا غير، وهذه الإجراءات تكاليفها بسيطة أي إن المحاصيل العطرية تمتاز زراعتها بالتكاليف البسيطة والمردود العالي على عكس محصولات الحبوب الشتوية وخاصة القمح ذات التكاليف المرتفعة والمردود المنخفض.
وهنا تبرز أهمية تحديد سعر مجزٍ لإنتاج القمح من قبل الحكومة من حيث القيمة والزمن، من حيث القيمة يؤخذ بالاعتبار تكاليف الإنتاج الحقيقية ومن ثم ترك هامش ربح جيد للمنتج، ومن حيث الزمن إعلان سعر الشراء أثناء تنفيذ الخطة الزراعية أي في فترة زراعة محصولات الحبوب (نثر البذار) من أجل حث المنتجين على زراعة هذه المحاصيل إذا وجدوا أن السعر مناسب وجيد.
ما المطلوب؟
«خلال العام الحالي أستطيع أن أجزم أن الإقبال على زراعة المحاصيل الطبية والعطرية في محافظة الحسكة خلال الموسم الحالي سيكون أقل بكثير من المواسم السابقة، وذلك بسبب الخسائر التي أصابت زارعي هذه المحاصيل في الموسمين الأخيرين». هذا ما أكده لنا مدير الزراعة المهندس عامر حسن. وهذا ما يتوقعه الكثيرون. ومع ذلك نقول إن زراعة المحاصيل الطبية والعطرية ليست خطأ بل زراعتها ضرورة ومطلوبة شرط أن تكون ضمن الخطط والبرامج العلمية المقررة. وهكذا هو الوضع بالنسبة للمحاصيل الطبية والعطرية، لأن الزيادة الشديدة في زراعتها ستكون على حساب محاصيل مهمة بالنسبة للفلاح وللوطن، كالقمح الذي تتراجع زراعته في محافظة الحسكة عاماً إثر آخر مقابل نمو وزيادة زراعة المحاصيل الطبية والعطرية. وهذه مسألة لابد من إيجاد العلاج الناجع والمناسب لها قبل فوات الأوان. فالمطلوب التوازن لا أكثر في أن تزرع المحاصيل الطبية والعطرية بحجمها أي ضمن المساحات المخططة لها، وأن يزرع القمح بحجمه أيضاً.
aqtini58@gmail.com

print