• تتكئ المراكز الثقافية على الأمسيات الأدبية في تغطية جدول نشاطاتها، وبحسبة بسيطة تظهر في البرنامج الشهري لكل مركز، تحتل هذه اللقاءات القصصية والشعرية الرقم الأول من دون أن يتم التعاطي معها بجدية توازي تكرارها فهي لا تحظى بدعاية للمشاركين فيها ولا تجد حضوراً يُذكر معظم الأحيان، وسواء كان المعنيون يدركون دور هذه الإطلالات الثقافية للأدباء الشباب، وهو ما يدفعهم لإقامتها بكثرة، أم إنهم يتعاطون معها بلامبالاة بوصفها نشاطاً يسد الفراغ، تبقى الأمسيات الأدبية على تنوعها بداية وفرصة لمواهب عديدة، أما كيف يقيّم المشاركون تجربتهم مع المراكز الثقافية؟، فهو ما يناقشه هذا الاستطلاع مع عدد منهم.
    تفتقر إلى التنظيم
    في حديثها لـ «تشرين» تشير روعة سنبل صاحبة المركز الأول في فئة القصة القصيرة في مسابقة الشارقة للإبداع العربي 2017 عن مجموعتها «صياد الألسنة» إلى أن «القصة القصيرة على العموم ليست فناً منبرياً ولا جماهيرياً، وعلى القاص أن يختار بحذر ما سيلقيه أمام الجمهور، ومع ذلك تبقى الأمسيات الأدبية تجربة جميلة لها خصوصيتها التي تتعلق بحميمية التلقي المباشر، وإتاحة الفرصة أمام الكاتب بمعاينة أصداء نصه على الجمهور، واختبار ما قد يخلقه في نفوسهم من الرضى، والشعور بالجمال، أو بما قد يسمعه من ملاحظات ووجهات نظر».
    تضيف سنبل: لا آبه عادة بقلّة عدد الحضور، التي هي أمر واقع في أغلب أمسياتنا الأدبية، لا يعنيني ذلك مقارنة باهتمام الجمهور، ومدى تفاعله مع ما يسمع، تجربتي مع المراكز الثقافية ليست جيدة عموماً، تفتقر أغلب الأمسيات إلى التنظيم الجيد، ليس فقط لأنّ المواعيد غير دقيقة، بل إن المشكلة التنظيمية الأكبر التي أصطدم معها غالباً، تتعلّق بكثرة عدد الكتّاب المشاركين في الأمسية بشكل لا يتناسب مع الوقت المخصص، ما يظلم نص الكاتب من جهة، ويؤثر في حسن تلقي الجمهور من جهة أخرى، وبالتأكيد فإن التجربة في المكان ذاته تختلف تماماً باختلاف الجهة المسؤولة عن تنظيم الأمسية. ومن أفضل تجارب روعة، تجربتان مع (ملتقى أجيال) الذي ينظمه اتحاد الكتّاب والأدباء الفلسطينيين، فعلى حد وصفها «التنظيم جيد، الجمهور ينصت جيداً ويتفاعل، إدارة الجلسة موفقة، وتعقبها دوماً إضاءات من كتّاب قديرين ونقّاد، يكسب تعليقهم النص قيمة إضافية، ويساعدني ككاتبة شابة على معرفة مواطن الجمال فيما أكتب، أو المواطن التي ينبغي الانتباه لها».
    في مهب الأفق
    في إجابتها عن سؤالنا ترى آمال شلهوب صاحبة المجموعتين القصصيتين «في مهب الأفق» و«أرجوحة الغسق» أن «الأدب رسالة تحمل قضايا اجتماعية إنسانية وطنية، ولا بد من أن تصل هذه الرسالة إلى أهلها عبر طرق شتى، منها اللقاءات الثقافية من خلال الأمسيات الأدبية، التي تتم فيها إزاحة الستار عن النص الأدبي ليتجلى أمام المتلقي عبر فنية الكاتب وأسلوبه، وكلما انصهر إحساس الكاتب بالنص، ازداد تفاعل الحضور معه بالشكل الإيجابي، لتصل أفكاره للآخرين، ولأن الكتابة عمل إبداعي لا يتم إلا في إطار المجتمع كما يقول (سارتر) فالمراكز الثقافية هي الحضن الأول للثقافة التي تستجمع المهارات والمواهب والمعارف».
    لكن هل تجد الأمسيات الأدبية دعماً كافياً؟، تؤكد آمال أن الاهتمام بهذه النشاطات من شأنه أن يفتح الطريق للإعلان عن النص الأدبي ووضعه تحت ضوء القارئ والأديب والناقد، لينتقل النص من ملكية الكاتب إلى ملكية الآخرين، وعليه أن يأخذ في الحسبان آراء المستمعين، وقد تنتقل وجهات النظر إلى خارج المراكز، علماً أن قلة عدد الحضور أمر تمكن ملاحظته اليوم في حين كانت تمتلئ الأمسيات سابقاً بمحبي الأدب فيظهر تأثيرها حتى في وسائل الإعلام.
    مرافقة النقد
    وعلى ما يبدو فإن الحضور المتدني للجمهور يترك تأثيره في الأديب، حسبما تشرح القاصة «لأن تبادل التأثير والتأثر بين الأديب والجمهور يترك صدى إيجابياً في نفس من يقدم إبداعه»، ومن خلال تجربتها، حضوراً ومشاركة، تبيّن آمال أن الأمسيات التي يشارك فيها النقد بشكل فعال تكون قيمتها أكبر وتأثيرها أصدق في تفاعل الأديب وتطوير عمله، حتى إن بعض المراكز التي يديرها محبو الأدب تجمع من الحضور أعداداً أكثر ولها تقدير وشهرة أكثر من غيرها لذلك تعلو قيمة حضور الأديب فيها.
    من جهته يقول خالد القادري، وهو يستعد لطباعة مجموعته الشعرية الأولى: بالتأكيد في الإطلالات عبر المنابر الثقافية ما يغني التجربة الأدبية والثقافية سواء للملقي أو المتلقي لسبب أساس وهو اللقاء المباشر والمواجهة التي تختبر التجربة بعفويتها وحساسيتها وصدقها وتحفزها، ما يشعرنا بالمسؤولية ويشيع مناخاً له آثاره الإيجابية الفعالة بالرغم من الخيبة التي نواجهها أحياناً في قلة عدد الحضور وربما بعض الآراء السلبية غير البناءة بقطبيها «المجاملات والنقد الكيدي التهجمي»، وقد يعوض عن ذلك حضور نخبة مثقفة مخلصة وإن قلّ العدد.
    ويصف خالد تجربته مع المراكز الثقافية بالجيدة نسبياً، ووفقاً لما يراه فهي «تتيح التواصل الحقيقي والتقديم للمهتمين بالأدب والثقافة وإن كانت دائرتها صغيرة جداً ولا تقارن بالمواقع الإلكترونية أبداً إلا أنها مكان مناسب وفسحة صحية لأي مهتم بالأدب، وما يرجوه من المسؤولين في هذا المجال أن يولوا الأهمية للإبداع الحقيقي من دون اعتبارات أخرى يعرفها الجميع، وأن يمنحوا الفرص التي يستأثر بها (الكبار) طويلاً لأصوات جديدة لأن الثقافة متجددة».
::طباعة::