يعد الفنان التشكيلي سيف الكيلاني من الأسماء المهمة في مشهد الفن التشكيلي العراقي, شارك في العديد من المعارض الفنية الجماعية والفردية, وأعماله مقتناة في العراق وسورية ولبنان وبعض البلدان الغربية, جاء إلى سورية منذ أحد عشر عاماً, أقام مؤخراً معرضاً فردياً في صالة بيت الرؤى في دمشق, وفي أواخر العام 2013 كان قد أقام معرضه الفردي الثاني في ثقافي أبو رمانة تحت عنوان (تحية لصمود سورية)..
أعمال الفنان الكيلاني الفنية تتمحور وتندرج بمجملها تحت ثالوث هو: (الطبيعة والمرأة والورود) ضمن رؤية فنية خاصة تجمع بين الجمال وانعكاساته اللونية، وهي لا تنتمي إلى مدرسة فنية معينة, بقدر ما تنتمي لخصوصيتها على صعيد الأفكار والمواضيع والتقنيات والأدوات المستخدمة في تنفيذ أعماله الفنية, وإن كانت بالعموم تميل إلى الانطباعية.
«تشرين» التقت الكيلاني, قبل أيام قليلة من عودته إلى وطنه العراق، حيث قال عن حكايته الطويلة مع اللون: ولدت في مدينة البصرة, وبدأت مثل معظم الأطفال بالرسم وكنت متميزاً منذ البداية, فأقمت معرضاً وأنا في الابتدائية وحزت عدة جوائز من المدرسة, ومن ثم تابعت مشواري الفني, فلم أنتسب إلى كلية الفنون الجميلة, على العكس من ذلك, فقد تخرجت في كلية الهندسة المدنية, وتتلمذت على أيدي جيل الرواد في حركة الفن التشكيلي العراقي, وتابعت سلسلة معارضي الفردية والجماعية, وزرت العديد من العواصم العربية والعالمية, ما انعكس على تجربتي الفنية والحياتية غنى وخبرات تراكمت على مدى الأيام.
وعن اتجاهه صوب التصوير يقول: أجد بالرسم خلاصي من كل شقاء وبؤس هذا العالم المتعب, أرسم لأن الحياة لوحة تجب إعادة صياغة ألوانها, بعدما خرّبت ودمرّت الحروب والكوارث كل ألوانها الجميلة البديعة وشوهتها… أرسم لأعيد شغفي بالحياة, لكي أعيد ظلي إليّ, ظلي الموزع في معظم مدن العراق الجريح.
أذكر حين أتيت إلى دمشق منذ عدة سنوات, لم يكن في بالي أي شيء سأفعله إلا الرسم, فقط أن أرسم, الرسم يحقق لي المعادل النفسي والروحي, لكيلا تتوه عني بوصلتي, ولا أتوه أنا عنها في أصقاع لا أعرفها, ويبدد الزمان ما رسمته, في دمشق وجدت ذاتي فنياً أكثر, بعيداً عن الناس وضجيج الحياة وصخبها.. بنيت لعالمي الإبداعي بيتاً من ألوان وورق, وشيدت لذاتي عزلة أركن فيها لعوالمي الداخلية, أرسم وأكتب الشعر, فهما ما تبقى لي من زوادة في رحلة العمر والحياة.
أما عن الثالوث الذي يشغله في لوحاته فيقول: وجد الكثير من متابعي أعمالي الفنية أنها تتمحور حول ثلاثة محاور هي: الطبيعة المرأة والورود, حيث لقبت بفنان الجداول والأنهار في العراق, وأظن أنني أبدعت لوحات تحكي قلق النخيل, وشوق الأنهار للزوارق والورود والحياة والمرأة, لعّل لوحاتي ترسم للمتلقي ذاك البوح الخاص خبزا للفقراء, وللعشاق الذين ناموا على رصيف القهر والانتظار.
بشكلٍ عام أنا في كل أعمالي أتجه للإنسان والإنسانية, فرسالتي هي الوقوف إلى جانب الإنسان أينما كان, لأن الفن الحقيقي هو الذي ينبع من ذات الإنسان ويتجه إليه. لست واعظاً ولا مخلصاً للألم بقدر ما أنا فنان, يحمل رسالة فنية إنسانية إبداعية, تسعى لتقديم الفن النبيل الهادف, وفق صياغات فنية جديدة ذات محتوى فكري عميق وجماليات بصرية, بأسلوب فني يقترب من الذائقة الجماعية للمتلقي..
أما عن المتلقي السوري وخصوصيته فيذكر الكيلاني: لاشك في أن السوريين يتمتعون بذائقة فنية عالية المستوى وبحس جمالي أنيق, فهم جمهور مثقف وواع ومحب للفن ويفتح قلبه للفنان والمبدع العربي من أي بلد عربي كان.
في حوار أجري معك مؤخراً على أثير إذاعة دمشق قلت للزميل جمال الجيش: قلبي موزع بين عاصمتين بغداد ودمشق.. ماذا تعني بذلك؟ يُجيب: حين أجريت لي عملية جراحية (قلب مفتوح) منذ عام ونيف, في دمشق كنت بعيداً عن أسرتي وأولادي, رغم ذلك ما شعرت بغربة, وقبل أن يتم فتح أضلعي, وقبل أن أغفو على تخديري شعرت بأن قلبي سينشطر إلى شطرين إلى ضفتين إلى قسمين.. فقلت للطبيب الجراح: أرجوك اعتن بقلبي الموزع بين عاصمتين, بغداد ودمشق.. منذ أحد عشر عاماً, وأنا كلما ذهبت إلى بغداد يقودني الحنين إلى دمشق، فأعود إليها بكل الشوق والمحبة.. لقد أحببت دمشق بإحساسي الخاص لأنها لا تشبه غيرها من العواصم العربية بتاريخها وألق حضارتها وروعة إنسانها لذلك فإنها هي فعلاً قلب العروبة النابض, وأنا وبعد عدة أيام سأعود إلى بغداد, إلا أنني سأعود إلى دمشق وسأقيم معرضي الفردي الثالث, في الحبيبة سورية التي بدأت تتعافى وتنتصر على خفافيش الظلام, والقتلة أعداء الإنسان والإنسانية.
أسألك: شخصيات لوحاتك يبرز فيها ذاك الحزن المدمر أحياناً, والحزن الخفي, لماذا الحزن وهل في استطاعة اللوحة أن تكون حاملاً لكل هذا الحزن؟‏ يقول الكيلاني: نحن شعب العراق ابتلانا الله بكل هذا الحزن منذ سنوات طويلة, وكأن الحزن قدرنا ولعنتنا والوجه الصريح والواضح لعوالمنا الداخلية المتآكلة بالأسى والشجن والدموع والحرمان من كل شيء, من حرب إلى حروب, ومن دمار إلى دمار, ومن خراب إلى خراب, ومن موتى إلى أموات, شتتتنا المنافي وتناهبت ملامحنا أرصفة العواصم وبلاد الغربة البعيدة, أغانينا حزينة قصائدنا حزينة حياتنا أنموذج واضح للحزن المعلن, فكيف لا تكون شخصيات لوحاتي حزينة؟!‏
وعن لوحته وماتعنيه له يقول: اللوحة هي نافذتي التي أُطل من خلالها على العالم والناس, هي ملاذي الأخير في مواجهة قسوة البشر والحياة, وخراب العالم, ملاذي حين يهدني التعب, تعب الحياة وهذا الزمان الرديء, إنها خلاصي من الشعور بالأسى, هي أنا وأنا هي, وتالياً هي التي اختارتني.‏

::طباعة::