أيها الفن بدبوسك الذهبي،
سأسمّر على الورقة
فراشات اللحظة.
لغير سبب، يُعد الشاعر المكسيكي خوسيه خوان تابلادا (1861-1945) من رواد الطليعة الشعرية في أمريكا اللاتينية، فهو من الشعراء الذين غامروا وركبوا قوارب التجريب مُبكراً، كما يُعد أول من أدخل الهايكو إلى اللغة الإسبانية –الفرنسيون أدخلوه إلى لغتهم بعده بسنة- وذلك بتوليفات وتفكيكات شعرية، لم تكن –كما يذكر- سوى ردات فعل ضد شعراء البلاغة الرثة، فالهايكو في تقديره؛ «كزهرٍ عارٍ لا يحتاج آنية».
ومناسبة هذا التمهيد للشاعر المكسيكي خوسيه خوان تابلادا؛ هو كتاب «شعر تجريبي» ترجمه إلى العربية الشاعر السوري عبدو زغبور ترجمة أنيقة وباذخة كما عودّنا دائماً في ترجماته الرائعة عن الألمانية والإسبانية، فقد سبق له أن ترجم عشرات الدواوين الشعرية والروايات، وهنا نذكر برواية «الطوارق وعيون الطوارق» بجزأيها عن الإسبانية مُقدماً بسخاء ثقافي لافت الثقافة في أمريكا اللاتينية للعالم العربي.
«بأبيات قصيرة سأجعل
كلّ أزهار الحديقة،
تلتمعُ كقطرة ندى».
وبالعودة لكتاب «شعر تجريبي» للمكسيكي تابلادا؛ فهو ثلاثة كتب في كتابٍ واحد اختارها وقدم لها خوان كالثاديا، والصادرة عن دار التكوين في دمشق.. وهذه الكتب هي: «في يوم… أشعار توليفية-1919، إناء الزهور… تفكيكات شعرية-1919، ولي- بو وقصائد أخرى 1920» وجميع أشعار هذه الدواوين كتبها تابلادا على الطريقة اليابانية، وتحديداً كمقاربة للشعر الياباني العريق الذي كان معلمه الأول في اليابان باشو (1644-1694) واسمه الحقيقي ماتسوو مانوفوسا.. رغم أن تابلادا لم يشر إلى نوعية ما كتبه من شعر على هذه الطريقة صراحةً وهو ما لم ينتبه إليه النقاد في بلاده، ولكنه أشار إلى ذلك تلميحاً في إهدائه الصريح:«إلى الظلين الحبيبين: للشاعرة شيو والشاعر باشو»، وعن هذه الإشارة يقول: حتى السطوع النجمي المزدوج للاسمين الواضحين باشو وشيو المكتوبين في الإهداء، لم يستطيعا إضاءة الحبر الغامق الذي يُثيره الحبّار المُضطرب..
في هذه القصائد الوامضة، أي التي تأتي وميضاً، لن يلتزم تابلادا بصرامة الهايكو الياباني لا من حيث الشكل، ولا من حيث بنية القصيدة، وإنما ككل الهايكو الذي دخل إلى لغات العالم وآدابها، حيث كان الدخول مقاربةً أو مُعادلاً لما تمّ إنتاجه في اليابان فلكلّ لغة خصوصيتها وصياغتها وتأويل مفرداتها، فتابلادا على سبيل المثال خرق قواعد الهايكو بالكثير، فهو من حيث الطول لم يلتزم بالإيقاع الصوتي الذي هو شرط الهايكو (5-7-5) ونص الهايكو لا يحتاج عناوين وعلامات ترقيم، فقد وجدنا أن العنوان في قصيدة تابلادا أساسياً ومن بنية جسم القصيدة، ما حافظ عليه الشاعر في الهايكو الإسباني هو النص البصري المشهدي، والطبيعة التي تتحرك في هذا الحيز القصير بفصولها كلها، بليلها وصباحاتها، بحيواناتها، ومطرها وشمسها، وبهذه الحكائية التي تُميز نص الهايكو، وهذا ما كان جلياً في نص تابلادا، وهو ما يؤكده في مسألة تبويب النصوص، عندما جمع كل مجموعة من القصائد تحت اسم واحد، يكاد يُنبئ بما تذهب إليه الحالة الشعرية، فكانت المجموعات الشعرية التالية: الصباح، المساء، الشفق، الليل، وعلى الطريق، في الحديقة، بحريات وغير ذلك الكثير من هذه النصوص المشهدية الحكائية في سردها وصياغتها وبنيتها. وتابلادا منذ البداية، يكشف عن الغاية الشعرية ودافعه في القول الشعري من خلال مقدمة كتبها شعراً أيضاً وعلى الطريقة اليابانية، ومنها النصوص التي اتخذناها مثالاً في هذه المقالة:
«سأحتفظ في هذه الصفحات
بالنبتة والشجرة
مثل جامع الأزهار».
يذكر خوان كالثاديا الذي اختار هذه القصائد وقدم لها: أصالة هذه الكتب التي تستأثر بالقارئ الفطن؛ تعود في المقام الأول منها إلى المقترح الذي يُقدم فيه نصوصاً بصرية لكي يعرض في مساحة الصفحة انطباعات مُباغتة أي يوم عادي، فعلى سبيل المثال في كتابه «لي- بو وقصائد أخرى» كان تابلادا يُعيد خلق لغته الشديدة الخصوصية التي تتميز بالإيجاز والشفافية. وتابلادا لا يفهم القصيدة خارج العلاقة مع فسحة بياض الصفحة التي يُكملها النص كي يُشكل الكل ليكون متعلقاً بماهية الفكرة التي تُبلّغ عن هدف الكتاب: إبراز الزمن والأحداث التي تنعكس في مسار أحد السابلة من الصباح حتى الليل بين البيت ومكان العمل. ويشرح كالثاديا التجريبية المبكرة عند تابلادا بالتوفيق بين تأثير الشعر الفرنسي والتوليفة البصرية للشعر الشرقي، التي توصل المسافر الهادئ إلى التآلف معها منذ فتوته الأولى وإمكانات تبنيها ككتابة شخصية وتمثلها في لغته الخاصة كشاعر والتي اكتشفها سنة 1900 خلال رحلته إلى اليابان التي دامت ثلاثة أشهر، إضافة لتأثره بغيوم أبولينير ونظريات الشعراء التكعيبيين بخصوص قيمة المكان في علاقته مع النص والاهتمام الكبير بالتصويرية في الشعر الصيني.
«قوقعة سرطان البحر الصغيرة
غير مرئية على الشاطئ،
ووقع صداها يملأ المدى».
أهمية شعر تابلادا اليوم؛ هو محافظته على الراهنية التي مازالت تحظى بها أعماله بعد قرن من السنين، والتي اقتدى بها الكثير من الشعراء المكسيكيين الذين حذوا حذوه وبدؤوا بكتابة الهايكو على طريقته.

::طباعة::