إن كانت الأمثال الفرنسية ترى أن من يزرع الرياح يحصد العاصفة، فإن مثلاً كهذا من المؤكد أنه كان بعيداً عن الذاكرة التعليمية لماكرون الرئيس الفرنسي وسَلَفيه أولاند وساركوزي في تعاطيهم مع أزمات الدول العربية، حيث أفعال الساسة الفرنسيين تحرّض الذاكرة السورية لاستذكار المثل الشعبي «عمرا الحية ما بتصير خيّة»، فالتاريخ الحديث لساركوزي الذي قاد عملية غزو ليبيا، وأولاند الذي قدّم الرعاية والدعم السياسي والدبلوماسي لما يسمى «المعارضات السورية» وجمع شتاتها الواهن، والاعتراف التحريضي بها «ممثلاً شرعياً وحيداً» للشعب السوري، ولن يكون «الماكرون» بأفضل منهما، وهو المترنح داخلياً، وقد وجد في الأزمات العربية وفي الساحة الدولية ملعباً يمكّنه من الحضور لاعباً يتسابق في إعلان التبعية لواشنطن، ويتنافس مع اللندنيين لكي يحتل المرتبة الأولى في التحالفات الأمريكية لنيل مكاسب سياسية واقتصادية باحتماليات مآلات انتهاء المشروع المسمى (الربيع العربي).
فرنسا الدولة العتيقة في ممارسة الاستعمار تحاول اليوم إيقاظ الإفرازات العقلية الاستعمارية التي تربّى عليها أجيال الساسة الفرنسيين، والعودة بانهيار مريع في القيم الإنسانية إلى جملة من قبيل «هاقد عدنا ياصلاح الدين» التي قالها هنري غورو حينما دخل دمشق محتلاً، جملة يطمح العديد من الرؤساء الفرنسيين إلى إعادة ترديدها.
فرنسا التي تدّعي اليوم الإنسانية، تتبجح ببيان ما أنزلت به الحقيقة من بيان، وتحتفي على أنقاض الرقة المدينة المدمّرة «بتحريرها» المزعوم، ولا يحتاج سواء الشارع السوري أو العربي التذكير بالتاريخ الأسود للفرنسيين، فالجزائر حاضرة بذاكرتها المليونية التي تقص حكايات وفظائع الحقبة الاستعمارية الفرنسية، التي تفاخر قادتها بتعداد (القتلى) الجزائريين، وما تباكيها اليوم على المدن السورية التي لفّقوا «استخدام» الدولة السورية «للكيماوي» بحق المدنيين فيها، إلا تبجّح ووقاحة من معتدٍ اعترف بتجاربه النووية في الجزائر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بمشاركة خبراء نوويين إسرائيليين، ومساعدتهم لهم في إنتاج القنبلة الذرية!!
فرنسا التي زرعت الرياح في سورية -بدعمها ما يسمى «المعارضة المسلّحة» وتزويدها بأحدث ما توصّلت إليه التكنولوجيا الفرنسية من أسلحة، والقابعة في أحضان «التحالف» الأمريكي الهادف لإغراق المنطقة العربية في حالة تشرذم، يقضمون فيها ما تيسر لهم من مصالح بأشكال استعمارية ذات طابع مستحدث يحاكي في مدخلاته ومخرجاته الزمن الاستعماري القديم- لابدّ من أنها ستحصد العاصفة، خاصة أن تقاريرها تذكّر بأن نحو 1500 فرنسي غادروا فرنسا لمناطق الجهاد في سورية والعراق، في إحصائية تقدّرهم بنصف عدد الإرهابيين الأوروبيين.
فرنسا تحتفي اليوم بذكرى التدمير الممنهج والكامل لمدينة الرقة، الذي تمّ على يد «التحالف» الدولي المزعوم «للقضاء» على «داعش» في حين ما هو إلّا «تحالف» انتهك ميثاق الأمم المتحدة، وتآمر على سورية بشن حرب إرهابية ليس لها مثيل، لا بل سهّل الممرات لتهريب إرهابيي «داعش» بينما ارتكب الجرائم بحق المدنيين الرقاويين، وجعل الرقة مدينة منكوبة بجثث مدنييها المتفسخة في الشوارع، وتشريد ما تبقّى من سكّانها بعمليات إجرامية ترقى لتكون جرائم إبادة تستوجب المحاسبة، وليكون ما حصل في الرقة وصمة عار جديدة على دول «التحالف» وعلى فرنسا التي سقطت عن عورتها الاستعمارية ورقة جديدة.
«عمرا الحية ما بتصير خيّة»، فما تتبجح به فرنسا من «أدوار إنسانية وبطولات» ليس على مقاسها، فهي اعتادت عبر التاريخ -كدولة استعمارية- سرقة الدول وليس تحريرها، أما الإنسانية فليست ضمن مكتبة الإليزيه في باريس، لكل ذلك لن يكون حال الأبناء والأحفاد أحسن من حال الأجداد.

m.albairak@gmail.com

print