آخر تحديث: 2020-08-03 11:56:17
شريط الأخبار

بعيداً عن استعراضاتٍ لونية الفنانة التشكيلية مُفــيدة الديوب .. وحكايات النساء الباسقات وهنّ قاب قوسين من الرحيل

التصنيفات: ثقافة وفن

يُمكن أن تكون من الحالات القليلة؛ أن تقيم الفنانة التشكيلية مُفيدة الديوب معرضاً فردياً، لكنها منذ ثلاث سنوات إلى اليوم، كانت من أكثر الفنانين المشاركين في المعارض الجماعية، وفي مختلف الفعاليات التشكيلية السورية، سواء كانت الفعاليات داخل سورية، أو خارجها.. نشاط تشكيلي لافت للفنانة الديوب، وذلك بما عُرفت به في تنويعين تشكيليين، وأقصد بذلك التصوير والنحت..

فالفنانة الديوب؛ هي من سلالة الفنانين الذين جمعوا في شغلهم التشكيلي بين النحت والرسم، وفي هذا المجال نُذكّر بكلِّ من: مايكل أنجلو، ليوناردو دافنشي، و..رودان الذين كانوا نحاتين ورسامين في آنِ واحد، وفي تاريخ المشهد التشكيلي السوري، على الأغلب الفنان، إما نحات أو مصوّر، وقلة من جمع الاثنين معاً،‏ ومفيدة الديوب هي من هؤلاء القلة الذين جمعوا بين النحت والرسم، وهنا، نُذكّر بجملة قالها أحد الفنانين السوريين- أكسم السلوم في حوار لي معه – «لا يمكن أن تكون نحاتاً ناجحاً، إن لم تكن رساماً»، وعلى ما يبدو، فإن ثمة ما يُشبه الجملة الأخيرة للفنان أكسم السلوم كان في ذهن الفنانة التشكيلية مُفيدة الديوب في مختلف تنويعات تجربتها الفنية التي بدأتها نحتاً، وكأنها عكست المقولة السابقة، إنه ومن وجهة نظر أخرى «قد تكون مصوّراً ناجحاً، فيما لو بدأت نحاتاً ناجحاً».. في كل الأحوال الفنانة الديوب هي من القلة في المشهد التشكيلي السوري، الذين قدموا نتاجهم التشكيلي عبر النحت والتصوير، وكان لها أن حققت تمايزاً لتجربتها عمّا يُقدم في الساحة التشكيلية السورية، عبر جملة من الملامح وسمت بها نتاجها التشكيلي الذي كان حصيلته ما قدمنا به فنانة أقلّ ما يُقال عنها: إنها «شغيلة» تشكيلية، وملونة من نوع خاص..
النساء العاليات
ولعلّ أولى ملامح لوحة الفنانة الديوب التي يُمكن للمتلقي أن يتلمسها؛ هي صورة المرأة الغائمة الملامح، والضبابية الوجه، وكأنها تقول، إن هذه المرأة التي أقوم بسرد سيرتها لونياً؛ هي كل النساء، أو هي المرأة التي عليها أن تقوم بجملة كبيرة من الأدوار، ودفعةً واحدة.. ولعلّ أكثر ملمح لهذه المرأة تجلى في هذه المرأة التي تتسامى ارتفاعاً، فكل نساء مفيدة الديوب باسقات كحور على الضفاف، لكن وبرغم كل هذا العلو للمرأة، فهي تبدو في حالة من الريبة، نساء يُبدين، وكأنهن قاب قوسين من الرحيل، أو الارتحال، أو هنّ في حالة بحث عن مفقود ما.. منحنيات حيناً، أو في التفاتة لأمرٍ ما، ومع كل هذه الريبة؛ فهن باذخات لونياً، حيث يحضر الأزرق بمختلف درجاته، وكذلك الأصفر والأحمر، وهو ما توحي به الفنانة في سعي النساء للانعتاق من واقعٍ يفرض عليهن كل أنواع الحصار.. نساء لوحة الديوب يظهرن جماعات في لوحتها، وقلما كُنّ مثنى، بل اللافت دائماً كان هذه الكثرة من النساء في اللوحة حتى أمست اللوحة أشبه بخشبة مسرحية، وكل شخصية نسوية تقوم بدورها، إما بحثاً، وإما شغفاً وتوقاً، وإما انكساراً، وأحياناً انسحاباً..
ملامح خاصة
ومن جملة ملامح اللوحة عند مُفيدة الديوب؛ ذلك الإحساس بالأحفورية، وكأن لوحتها قادمة من أعماق الأرض القديمة كلُقى أثرية، أو كنحت على حجرٍ قديم، أو ربما هي تشبه لوحة الحفر أيضاً، هذا من حيث الشكل، أما من حيث مضمون اللوحة، فإنها تمدّ مجساتها صوب سورية العتيقة لتُشكّل من الكثير من رموزها القديمة مداميك في عمارتها الجمالية.‏‏ من ملامح لوحة مفيدة الديوب أيضاً هذه المواربة في حالات: الاختزال، التكثيف، الاختصار، والاقتصاد، أقول «مواربة» لأن هذا ما توحي به النظرة الأولى، أو التلقي الأول للوحة، فمفيدة لا تهدر بالتلوين في لوحتها، وتخفف ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً من حالة «الغنائية اللونية» التي وسمت تجربة غير فنان سوري، وبرغم زحمة الأفكار كانت لديها دائماً الرغبة في التقشف، وتقديم حالة لونية من دون استعراضات، وبعيدة عن الثرثرة البصرية، ومع ذلك، فهذا ما يوحي به التلقي الأول للوحة، لأن التأمل في تكوين لوحة الديوب يأخذنا إلى جملة القراءات التي تفرضها هذه الكثرة من الرموز الحديثة والقديمة، ومن ثمّ هذه القراءات التي توفرها اللوحة التي تزيد بدورها في مسألة التأويل، ومن ثمّ إنتاج لوحة معاصرة قائمة على زخم جمالي قديم، تُعيد الفنانة بناءه ليس تسجيلياً، أو أرشفة، وإنما إنتاج عمارة معاصرة بالحجارة القديمة، أي إنتاج لوحة بهوية سورية، أو أكثر إنصافاً بحثاً عن هوية سورية للعمل التشكيلي.‏‏
لوحة على التخوم‏‏
واللوحة التي تنتجها الديوب، لابدّ لمن يمر بجوارها من سماع ترنيمات لقصة لن يملّ الاستماع إليها، هي لوحة على التخوم بين التجريد، والتجسيد، تجريد وتشخيص في اللوحة ذاتها، الأمر الذي يشحن العمل الفني بطاقة تعبيرية عالية، ويبرز مقداراً كبيراً من الجمال، وهذا التعالق بين التجريد والتشخيص، وتحميل الحالات التعبيرية الإنسانية التي هي على الأغلب حالات أنثوية، تعبيرية تتصل بخصائص التعبيرية السورية، ولاسيما مع رموزها الرواد تحديداً.‏‏ وباعث الديوب في هذا النتاج هو مفردات بيئية مما يُحيط بها من حكايا عتيقة ومعاصرة، أو كما تردد دائماً فهي تقوم بـ «استعادة لحظات المتعة الجمالية التي تعيشها، وتحولها إلى مفاهيم، ورموز خلال عملية الفن، سواء كان ذلك في النحت أو الرسم».‏‏ وفي مقاربتها للمحنة السورية التي تكاد تُناهز عامها الثامن؛ اشتغلت مفيدة الديوب على مقاربة هذا الحدث الموجع بمعادله التشكيلي، وبشغلها الفني بفرعيه النحت والتصوير، وأنّ ما تتعرض له سورية هو مسألة وجود كجغرافيا وإنسان، كان تركيزها على هذا الزخم من الحضارة الموغلة في القدم، الأمر الذي يوفر لهذه الأمة عوامل النهوض من جديد، فمن ينسى طائر الفينيق السوري الذي ينفض عن جناحيه الرماد بعد كل احتراق ليُحلق من جديد، ذلك ما ظهر أكثر في أحد معارضها- هديل العرايش- في الشام القديمة. ثم بتلك الألوان التي كانت خيارها والخطوط التي تنحني وتتكور لإعطاء حالة شغفٍ ما، توشحها بالبنفسجي الذي يميل للعتمة ليعطي الإحساس بالحزن النبيل، مع الاشتغال على ضوء اللوحة، ولاسيما تصويرها الخاص بالشهداء، أو في الاشتغال على الرموز القديمة بكتابة الأحرف المسمارية النافرة، مع إضفاء لون القدامة الذي يغلب فيه اللونان البني والأصفر.‏‏

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed