بصرف النظر عن حقيقة أن جمال خاشقجي هو في الواقع ربيب بني سعود وربما أكثر سوءاً منهم قبل أن يقال إنه اختلف معهم، فإن عملية إخفاء خاشقجي هذا والروايات المتعلقة بقتله وتقطيعه في القنصلية السعودية في اسطنبول لم تكن جريمة خارج سياق الجرائم التي ارتكبها بنو سعود عبر التاريخ، لكن الضجيج الإعلامي المثار حول الجريمة قد فاق كل التوقعات.. صحيح أن قتل الإنسان بغض النظر عن عمله وموقعه وأهميته هو جريمة تقشعر لها الأبدان وتهتز لها الضمائر لكن ارتكابها في هذا التوقيت ربما وضعها على رأس قائمة الجرائم الأخرى لدى إدارة ترامب التي وجدت فيها (مطرحاً ضريبياً ابتزازياً) لنظام بني سعود, وستخضع للأخذ والرد والمساومة ولن ينفع معها إلا دفع المزيد من الدولارات التي يمكن أن توجه أصابع الاتهام إلى أطراف أخرى حتى لو كانت تركيا تمتلك كل الأدلة الدامغة على تورط القنصلية ليس بإخفاء خاشقجي، بل تورطها بقتله وتقطيعه بمنشار كهربائي.. «فثقافة» القتل والتصفية وتقطيع الأجساد وشيها وأكل القلوب والأكباد التي مارستها التنظيمات الإرهابية «القاعدية» و«الداعشية» الوهابية بحق السوريين ليست سوى جزء يسير مما اعتادت عليه الأسرة السعودية الحاكمة، و«شرعية العقيدة» الوهابية التي شكلت الأسس النظرية للإجرام على امتداد أكثر من مئتي عام.
لقد وضع ترامب حداً للحالمين بعقوبة مناسبة للأسرة الحاكمة في السعودية على جريمة «القنصلية» بقوله: «إن وقف بيع السلاح للسعودية سيحرم واشنطن من مئات مليارات الدولارات»، «فالدراهم مراهم» لدى ترامب, وكما تناست الإدارات الأمريكية السابقة ضلوع بني سعود بأحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 مقابل المال يمكن أن تتناسى إدارة ترامب جريمة بني سعود الجديدة أو تتحكم بنتائج التحقيقات وتنتشل مجرمي بني سعود من الجريمة كما تنتشل الشعرة من العجين.
إن المساومة الأمريكية على تمييع قصة الخاشقجي هي أمر متوقع فجرائم بني سعود ترتكب منذ عقود تحت الحماية الأمريكية ولولا ذلك فإن سقوط حكمهم وزوال أسرتهم هما رهن بإشارة صغيرة من ترامب.. تلك الإشارة التي لن تصدر عن ترامب أو عن غيره من الإدارة الأمريكية إلا بعد أن تجف ضروع البقرة الحلوب وتنفد خزائن بني سعود من الدولارات!.

::طباعة::