مع كل تغيير حكومي يأتي الفريق الحكومي الجديد، حاملاً معه رغبة في استئناف العمل لاستثمار مشروع القرى النموذجية في الغاب، ثم لا يلبس أن يخمد الحماس وكأن العجز دب فجأة بالفريق. لقد صدرت عشرات القرارات بخصوص استثمار المشروع كان مصيرها الذبول، وقد بدأت بقرار توزيع المقاسم السكنية كأرض معدة للبناء الذي انتهى بالفشل، مروراً بتوكيل الاستثمار لوزارة الإسكان والتعمير لإقامة أبنية طابقية والتي اعتذرت لعدم توافر إمكانات التنفيذ وصولاً إلى إحالة الملف إلى البلديات التي تعجز عن توفير سيولة لتسديد رواتب عمالها الذين لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة بكثير، فكيف بإمكانها تنفيذ مشاريع سكنية بأبنية طابقية على مساحة /8500/ دونم في عشر قرى نموذجية تزنر سهل الغاب من الجهتين الشرقية والغربية والتي تهدف إلى الحد من التوسع العمراني بالأراضي الزراعية.
إن كثرة الخيبات تدفعنا للتساؤل: كيف بإمكان مستثمر من القطاع الخاص غير مكتنز مالياً أن ينجز في أشهر معدودة مشاريع سكن استثمارية بالمنطقة أكثر مما أنجزته الجهات الحكومية بمجال استثمار القرى النموذجية خلال الـ 37 سنة الماضية؟ فلماذا تعتمد الجهات المعنية بمتابعة ملف القرى النموذجية على أسلوب قذف الكرة إلى الأمام؟ ولمعرفة فيما إذا كان مشروع القرى النموذجية انتهى إلى الفشل.. تعالوا معنا بالتحقيق التالي:
يشمل مشروع القرى النموذجية في قرى (عين سليمو– الحويجة– شمال القلعة– الزقوم– نهر البارد– جب الأحمر– عين الكروم– شطحة– مرداش- العن;اوي) تجهيز /7181/ مقسماً معدّاً للبناء على مساحة /8500/ دونم وتخديمها بالطرق والكهرباء والمياه والهاتف والصرف الصحي بهدف توزيعها على المنتفعين والمالكين للأراضي الزراعية للحد من التوسع العمراني في الأراضي الزراعية والتحول عن البناء في الأراضي الزراعية إلى البناء في القرى النموذجية بالغاب.666

تلف البنى التحتية
إن سبراً موضوعياً لمراحل العمل بمشروع القرى النموذجية بالغاب في الـ37 سنة الماضية نستنتج أنها تسببت بكارثة حقيقية على تلك التجربة (العتيقة) فالشركات المنفذة (الإنشاءات– الإسكان– البناء– ريما سابقاً) وقعت في سلسلة من المتاعب مع مديرية الموارد المائية (حوض العاصي سابقاً) بشأن الجهة المسؤولة عن الخراب الذي لحق بالمرافق العامة للقرى النموذجية بعد بلوغها مراحل متقدمة بالتنفيذ قبل أن يستلمها حوض العاصي وذلك بسبب تأخر استثمارها إذ تحولت شوارعها إلى أسواق تجارية للباعة الجوالين وعطلت الأوحال وبقايا المحاصيل الزراعية تجهيزات الصرف الصحي. فلا أغطية للريكارات، وأعمدة الإنارة مرمية على أرصفة الشوارع، ومجموعات الهاتف ليست إلا أطلالاً لقرى من المفترض أن تكون مأهولة منذ سنوات. لقد طال الخراب أغلب المرافق العامة التي انتهى عمرها التصميمي قبل أن تستثمر، حيث تقدر قيمة الخراب بعشرات الملايين وانتهى الأمر بحلول توافقية حول إصلاح الخراب والذي تم فيما بعد بصورة جزئية وهذا لم يغير كثيراً من واقع الخراب!!
ويروي علي حسن- رئيس بلدية حورات عمورين أن المخطط التنظيمي للقرية وصلت نسبة ملاءته إلى 95 % ولم يعد بالإمكان التوسع بالأراضي الزراعية المحيطة بالقرية والمنقذ الوحيد من هذه المعضلة أن تستثمر قرية نهر البارد النموذجية المجاورة للقرية، وقد مضى أكثر من ثلاثين سنة على تنفيذ البنى التحتية بهذه القرية النموذجية والتي تدمر أغلبها، علماً أنها كلفت الدولة ملايين الليرات، لافتاً إلى ضرورة أن تصدر عقوبات بحق الجهات التي اعتمدت البيروقراطية أسلوباً في عملها وتراخت في عملية استثمار القرى النموذجية بالغاب، ما تسبب في تفاقم المشكلة إلى حد كبير وكبد الدولة خسائر فادحة، حيث تقدر التكلفة التي تم إنفاقها على القرى النموذجية في الوقت الحالي بمليارات الليرات، مشيراً إلى أنه تم إسدال الستار على فصل إنجاز البنى التحتية، لكن المرحلة التالية كانت أشد تعقيداً، وهي مرحلة استثمار القرى النموذجية، إذ وضعت أسساً لتوزيع المقاسم السكنية (أرض معدة للبناء) صاغتها لجنة وزارية مؤلفة من وزراء الزراعة والري ومعاون وزير التخطيط آنذاك، وهي أسس تتضمن شروطاً أثارت الكثير من المماحكة بخصوص المواطنين الذين يستحقون التخصص بمقاسم سكنية بهذه القرى النموذجية.
شروط توزيع غير عادلة
فوجئت اللجنة المكانية المشكلة لتوزيع المقاسم السكنية بالقرى النموذجية والتي يرأسها مدير منطقة الغاب وتضم بعضويتها ممثلين عن شعبة الحزب والرابطة الفلاحية وهيئة تطوير الغاب والموارد المائية بأن عدد المتقدمين بطلبات للتخصص بمقاسم سكنية يفوق عدد المقاسم السكنية بالقرى النموذجية بعشرات المرات، إذ تجاوز العدد 30– 40 ألف طلب، ومع ذلك تمكنت اللجنة من توزيع 310 مقاسم في قرية شطحة النموذجية وفق كلام أمير محفوض رئيس بلدية شطحة والتي بنى فيها مساكن بنظام طابقي 1– 2 طابق، وأنهى محفوض كلامه بأن مقاسم قرية شطحة النموذجية لم يبق منها من دون توزيع إلا 80 مقسماً سكنياً، وقد توقفت عمليات التوزيع لأن إجراءات التوزيع واجهت اعتراضات شديدة من الأهالي الذين يرون أن شروط وإجراءات التوزيع ليست عادلة ولا تخدم الهدف الأساس لمشروع القرى النموذجية، وهو عدم قضم الأراضي، حيث أكد علي حسن- رئيس بلدية حورات عمورين أن قرار إنشاء القرى النموذجية صدر في ثمانينيات القرن الماضي عندما كان تعداد سكان منطقة الغاب لا يتجاوز 40 ألف نسمة، بينما أصبح الآن يقارب 300 ألف نسمة، أي إن الزيادة السكانية بمعدل 7 أمثال، ما تسبب في فقدان القدرة على التوزيع لأن عدد المقاسم أقل بكثير من عدد المتقدمين، وهذا الأمر لا يمكن حله إلا بالتوسع البرجي وزيادة عدد الطوابق إلى أربعة أو خمسة طوابق.
وأوضح حسن أن المعايير المعتمدة في التوزيع على سبيل المثال: للمتزوج 5 درجات ولصاحب الملكية 10 درجات و20 درجة لمن يقيم في منطقة الغاب و10 درجات لمن لا يملك منزلاً وهذا من الصعب إثباته فقد يكون المكتتب لديه منزل غير مدون على الصحيفة العقارية، ولكن بالإمكان حل هذه الإشكالية بتشكيل لجان نزيهة لمعرفة إن كان الشخص يملك منزلاً أم لا، على أن توضع آلية لمحاسبة هذه اللجان على أي مخالفة، هذا وقد حددت خمس درجات للمتزوج علماً أن المتقدم وإن لم يكن متزوجاً فهو مقبل على الزواج، كما حددت عشر درجات لمن استملكت أرضه بمشروع القرى النموذجية، علماً أنه الأكثر تضرراً بين المتقدمين، فهو الآن لا يملك شبر أرض لكي يبني عليها مسكناً لأولاده.. ولذلك من الضروري أن توضع نصف الدرجات لمن استملكت أرضه، ولفت حسن إلى أن هذه المعايير سببت خللاً في التوزيع، إذ يجب أن تكون المعايير دقيقة وواضحة حيث يمكن سبرها بدقة من خلال برنامج إكسل على الحاسوب لفرز الدرجات وتفريغ البيانات عبر البرنامج.
الحكومة تحيل الاستثمار لـ«الإسكان»
عندما وصلت الجهات المتابعة لملف استثمار القرى النموذجية إلى العجز عن فعل أي شيء بالملف تدخلت رئاسة مجلس الوزراء وسطرت كتاباً إلى وزارتي الري والإسكان وافقت فيه على تسليم القرى النموذجية للمؤسسة العامة للإسكان لتنفيذ مشاريع سكنية فيها وذلك بعد نقل ملكية أراضي القرى النموذجية من وزارة الموارد المائية باعتبارها الجهة المستملكة إلى المؤسسة العامة للإسكان على أن يوقف تنفيذ مشاريع البنى التحتية وتجري تصفيتها على وضعها الراهن بحيث تقام مجمعات عمرانية ضمن القرى النموذجية وفق نظام ضابطة بناء جديد يلبي حاجات الزيادة السكانية ويستوعب كل الطلبات المقدمة للحصول على مقاسم في القرى النموذجية والموافقة المبدئية على الكثافة المقترحة وهي 300 نسمة في الهكتار وتكليف هيئة التخطيط الإقليمي بإعداد دفتر الشروط والمرجعية لإعداد الدراسة التفصيلية للتجمعات السكانية خلال فترة لا تزيد على الشهر من تاريخه وبما لا يتعارض مع دراسة التنمية المستدامة لسهل الغاب مع تخصيص جزء من المقاسم السكنية للعاملين في وزارة الموارد المائية كما تشمل موافقة مجلس الوزراء على تفويض المؤسسة العامة للإسكان بالتعاقد تراضياً مع شركات الإنشاءات العامة لتنفيذ المشروع بالسرعة الكلية وفق القوانين والأنظمة.
ويروي محمود الحسن- مدير فرع المؤسسة العامة للإسكان في حماة أن المؤسسة تتابع إجراءات نقل ملكية القرى النموذجية من الموارد المائية إلى مؤسسة الإسكان وأن المشكلة التي تواجهها مؤسسة الإسكان هي أنها لا تتوافر إمكانية للتمويل ولا توجد آلية للتمويل والاستثمار، في حين أكد محمد حمود- مدير المصالح العقارية أن المديرية انتهت من الأعمال الفنية لقرية شطحة النموذجية وتم تسليمها، كما تم إنجاز الأعمال الفنية في قرى مرداش والجب الأحمر، إلا انها لم تستلم بعد، وتم إنجاز أغلب الأعمال الفنية في قرية نهر البارد النموذجية ولكن لم تستلم، في حين توجد مشكلة فنية في قرية عين الكروم النموذجية بإيصال طريق تنظيمي يربط القرية بالأملاك العامة المجاورة للقرية، بينما توقفت الأعمال الفنية في قرى جورين وعين سليمو والعنكاوي والحويجة بسبب الأوضاع الأمنية في المنطقة، ولفت حمود إلى أن المديرية تتابع في الوقت الحالي إجراءات نقل ملكية القرى التي انتهت أعمالها الفنية من الموارد المائية إلى مؤسسة الإسكان.
تناقض وتخبط في الإجراءات
أكد رفيق عاقل- عضو المكتب التنفيذي لقطاع الزراعة المكلف بمتابعة ملف القرى النموذجية أن المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان زار موقع القرى النموذجية ومنها نهر البارد والتي تعدّ شبه جاهزة رغم وجود بعض التعديات بأبنية مخالفة مشيدة في بعض مقاسم القرية من سكان قرية المسحل المجاورة وقد باشرت مؤسسة الإسكان بنقل ملكية عقارات القرى النموذجية من أملاك وزارة الموارد المائية إلى المؤسسة، وأضاف عاقل: فوجئنا في منتصف شهر آب من العام الماضي بأن وزارة الإسكان تعتذر عن التنفيذ وعللت الإسكان اعتذارها ببعد القرى النموذجية عن مركز عمل المؤسسة في المدينة ولوقوعها في الحدود الإدارية لبلديات الغاب، وأن متابعة المؤسسة للتنفيذ تتطلب إحداث هيكلية جديدة خاصة به، وهذا يشكل عبئاً مالياً وإدارياً على المؤسسة في ظل نقص الكوادر والالتزامات المتراكمة على المؤسسة وتعثرها، ولاسيما أنه تم تكليف المؤسسة بالمشروع في بداية الأحداث واقترحت الإسكان إلحاق المشروع بالوحدات الإدارية وهذا تستدعيه موجبات على المستوى المالي والاجتماعي، حيث تشكل موارد مالية للوحدات الإدارية وتفيد بتشغيل اليد العاملة ولسهولة تخديمها من قبل الوحدات الإدارية.
وفي المقابل أكد فادي عباس- مدير الموارد المائية في حماة أن نقل ملكية عقارات القرى النموذجية من الموارد المائية إلى وزارة الإسكان (المؤسسة العامة للإسكان) ليس إلا تنفيذاً لقرار رئيس مجلس الوزراء الصادر منذ شهر تشرين الأول 2011، ولم تعد هذه المسألة تقبل النقاش وإبداء الرأي وليس في مقدورنا التوقف عن إجراءات نقل الملكية فنحن غير مخولين بالتوقف عن تنفيذ ذلك ولو اعتذرت المؤسسة العامة للإسكان عن تنفيذ المشاريع السكنية بالقرى النموذجية، لافتاً إلى أن الموارد المائية جاهزة لتسليم القرى النموذجية بوضعها الراهن فور الانتهاء من نقل الملكية وفق ما ورد في كتاب رئيس مجلس الوزراء ولم يبق على الموارد أي مسؤولية بهذا الشأن فالجهة صاحبة العلاقة هي مؤسسة الإسكان.
«الإدارة المحلية» تستنجد بالبلديات
في معرض رد رفيق عاقل على مسوغات متابعة إجراءات نقل ملكية القرى النموذجية لمؤسسة الإسكان بعد أن اعتذرت وزارة الإسكان عن التنفيذ قال: وزارة الإسكان تقدمت باعتذارها إلى رئاسة الحكومة وبدورها كلفتنا وزارة الإدارة المحلية بدراسة إمكانية استثمار القرى النموذجية من قبل البلديات، ويتابع عاقل قائلاً: تقدمنا ببعض المقترحات إلى وزارة الإدارة المحلية أنه بإمكان البلديات الاستفادة من استثمار القرى النموذجية عن طريق تطبيق مبدأ الجمعيات والشراكة مع أي شركة أو وزارة تريد الاستثمار في القرى النموذجية، وهذا يحتاج صيغة قانونية قد تكون عن طريق البلديات وأن يعتمد نظام بناء طابقي، مع مراعاة الكثافة السكانية، وأن تشارك المحافظة باستثمار جزء من تلك المساحات بإقامة مشاريع تنموية، وذلك لتحقيق الغاية المرجوة من القرى النموذجية بوقف الزحف العمراني بالأراضي الزراعية، وبإمكاننا تخصيص جزء من المساكن لذوي الشهداء بسعر التكلفة، أو توزيع مقاسم لهم، ويمكن تطبيق مثل هذه التجربة على قرية واحدة كخطوة أولى مثل نهر البارد، وذلك بوضع مخططات فقط وفتح باب التسجيل للاكتتاب على السكن للمواطنين، ولكن حتى الآن لم يأت رد من وزارة الإدارة المحلية، ولاسيما أن الاستثمار يتطلب تغيير البنى التحتية القديمة بشكل كامل وإحداث بنى تحتية بهيكلية جديدة.
نجود إبراهيم- رئيس بلدية نهر البارد قالت: إن القرية النموذجية في نهر البارد فرغت من محتواها وفقدت الغاية من إحداثها بعد مضي أكثر من 30 سنة فالبنى التحتية فيها كالصرف الصحي والطرق انتهى عمرها الافتراضي ولم تعد تصلح، وأوضحت ابراهيم أن المنطقة محوطة بالأراضي الزراعية والحراجية، وكلها ممنوع البناء والتوسع فيها، ومن مصلحة البلدية أن يتم استثمار القرية النموذجية في أسرع وقت ممكن، ولكن بعد الفشل الذريع للمحافظة أكثر من ثلاثين عاماً كيف تستطيع البلديات أن تقوم بتنفيذ مثل تلك المشاريع الكبيرة والبلدية التي هي أضعف حلقة في التسلسل الإداري؟ مؤكدةً أن البلدية قد تستطيع تنفيذ عدد قليل من المقاسم إذا تم تسليمها لها، ولكن من الأفضل أن تسلم تلك القرى للإسكان، ولكن بشرط أن تكون الأولوية في السكن لأبناء المنطقة، بينما يؤكد رئيف عثمان أسعد- رئيس مجلس بلدة عين الكروم أنه رفع مقترح بنقل ملكية قرية عين الكروم النموذجية إلى البلدية ليتم فرزها وبيعها بالمزاد العلني للمواطنين لكون قيمة الأرض بالمخطط التنظيمي ارتفعت أسعارها في الوقت الحالي بشكل كبير إذ وصل سعر المتر إلى 5000 ليرة، وهذا يحقق إيراداً مالياً كبيراً للبلدية.
مطالب بإعادة الأراضي المستملكة
يروي المواطن سمير حمود أنه كان يملك عدداً من العقارات في القرية النموذجية في عين الكروم وقد استملكت لمصلحة مشروع القرية النموذجية في ثمانينيات القرن الماضي، وأضاف حمود: لقد أصابنا غبن كبير بهذا الاستملاك من نواحٍ مختلفة، إذ تمت تبليغات الاستملاك بالجريدة الرسمية في وقت كنا نعيش في قرية لا تصلها الصحف ولم نسمع بالاستملاك إلا بعد سنوات عندما باشرت الآليات بتنفيذ البنى التحتية للقرية النموذجية، وكانت انتهت فترة الاعتراض على الاستملاك ولم نستلم قيمة الأرض حتى الآن، ومع ذلك سلمنا بقدرنا أن الاستملاك تم وانتهى أمره، ثم تفاءلنا بوعود الجهة المشرفة على المشروع، وكانت حوض العاصي وقتها، بأنها ستخصص المالكين بمقاسم سكنية بالقرية النموذجية تعوضنا خسارتنا أراضينا، لكن سرعان ما ذهبت تلك الوعود أدراج الرياح عندما صدرت أسس توزيع المقاسم السكنية، إذ تبين أن المالكين السابقين لأراضي القرية النموذجية ليست لهم علامات تفضيلية على غيرهم من المتقدمين للتخصيص بمقاسم سكنية بالقرية، ولم يعد أمامنا أي باب قانوني للمطالبة بأي حقوق إلا أن نجعل من القضية مناحة على الغبن الذي أصابنا من مشروع الاستملاك..!
ويؤكد فيصل مثلج- من سكان نهر البارد أن المالكين السابقين لأراضي القرية النموذجية في نهر البارد أصابهم غبن كبير بالاستملاك، وقد وصل في الوقت الحالي إلى درجة لا يمكن السكوت عنها، إذ توقف المشروع فلم توزع المقاسم السكنية على المستحقين حتى الآن وقد مضى على البدء بالمشروع 37 سنة، فالبنى التحتية تخرّبت ولم تعد صالحة للاستخدام، وقد بطش عدد كبير من المواطنين بشكل غير قانوني بأراضي القرية النموذجية وشيّدوا عليها المساكن والمنشآت التجارية، ويجري استخدام ما تبقى منها بزراعته بالمحاصيل الزراعية المختلفة، بينما أصحاب الأراضي الأساسيون الملتزمون بالقوانين يتفرجون على ما يجري، علماً أنهم أحق من غيرهم فيها مادام لم يتحقق الهدف الأساسي من الاستملاك وهو النفع العام، وهذا ما أكده رئيس بلدية حورات عمورين- علي حسن بأن مخالفات البناء بأراضي القرية النموذجية في نهر البارد والبطش فيها من قبل عدد من المواطنين ألحق غبناً كبيراً بأصحاب الملكيات الخاصة ممن استملكت أراضيهم بسعر لا يتجاوز ثمن ربطة خبز للمتر الواحد في تلك الحقبة وكان بسعر 4 ل.س فقط، لافتاً إلى أنه من حق أي مواطن استملكت أرضه ضمن القرية النموذجية أن يكون له درجة تفضيلية على غيره عند توزيع مقاسمها السكنية، ولاسيما أن بعض المالكين الذين استملكت أراضيهم لم يبق لهم أرض لبناء منزل لأولادهم.
مستثمر بحجم مؤسسة
المهندس مالك هوشة بصفته يعمل في مجال الاستثمار بالأبنية السكنية في منطقة الغاب وأحد الفنيين المهتمين باستثمار القرى النموذجية قال: إن تقاعس الجهات المعنية عن استثمار القرى النموذجية على مدى 37 سنة فيه من المفارقات ما يكفي لإنزال ثقة المواطن بهذه الجهات إلى الحضيض، مؤكداً أن البينة على ذلك واضحة لا تحتاج خبرات لإثباتها، فالكثير من المتعهدين والمستثمرين بمجال البناء في المنطقة الذين لا يملكون شركات فيها معدات بناء ولا آلات ولا يملكون «رأسمال» يتجاوز الملايين المعدودة تمكنوا في السنوات الأخيرة من شراء أراضٍ وبناء عدد من المقاسم السكنية فيها (أبنية طابقية) وتسويقها، وحققوا أرباحاً مقبولة من هذه المشاريع، فكيف نفسر أن يكون لدى هؤلاء المستثمرين القدرة على اتخاذ قرارات وتنفيذها بما يخص البحث عن الربح في مجال الاستثمار بالمشاريع السكنية، وفي المقابل فإن مؤسسات الدولة التي لديها الشركات والتمويل والأرض لا تزال تراوح في مكانها منذ عشرات السنوات وقد عجزت عن استثمار مشروع القرى النموذجية بالغاب..؟!
وأضاف هوشة: لو افترضنا استثمار مساحة مقاسم القرى النموذجية البالغة /8500/ دونم بعد احتساب 20 % مرافق عامة (طرق– حدائق..) ووفق ضابطة بناء /50 %/ منها مسموح البناء فيها فإن المساحة المعدة للبناء البالغة /3400000/م2 وباعتماد نظام بناء طابقي بمعدل أربعة طوابق تكفي لبناء مساحة سكنية طابقية /13600000/م2 وبقسمتها على 120 مساحة الشقة الواحدة فإن هذه المساحة الطابقية تكفي لبناء /113333/ شقة سكنية وهي توفر السكن لـ/793333/ نسمة وفق معدل سبعة أفراد لتعداد الأسرة الواحدة أي إن القرى النموذجية تكفي لإسكان كامل الزيادة السكانية في منطقة الغاب من دون الحاجة للتوسع لمتر واحد بالأراضي الزراعية وذلك لو تم استثمار القرى النموذجية بهذا الشكل المبسط، ولكن الإجراءات المزيفة ضيعت جهود ذلك المبدع الذي اقترح مشروع القرى النموذجية بالغاب في ثمانينيات القرن الماضي، فهل نجد بين الجهات المسؤولة من يتحمل مسؤولية الفشل بهذا المشروع الذي تتوافر فيه كل فرص النجاح..؟!
«وأخيراً»
من المخجل أن نبقى 37 سنة ندعي العمل بمشروع القرى النموذجية بالغاب فلم نعد بحاجة لمنظرين إنما بحاجة لرجال لديهم القدرة على اتخاذ القرار الصائب وتنفيذه، فالفشل لا يعني نهاية النجاح ولاتزال أمامنا فرصة لإقامة تجمعات سكنية بنظام طابقي بما يحقق الهدف من المشروع بالحد من الزحف العمراني بالأراضي الزراعية الخصبة، ولكن إلى متى نبقى نقول لدينا فرصة بتحقيق الهدف من المشروع وقد حصرنا السكان في بوتقة مخططات تنظيمية تجاوزت نسبة ملاءتها 95 % ولم يعد في الإمكان التوسع لبناء مسكن إضافي واحد فيها؟!

print