ذات يوم من أيام الشباب اقتنيت سيارة.. لو كنتم من سكان مدينتنا لتمتعتم برؤية أقدم سيارة لاتزال في شوارعنا.. وهي من طراز (جِيبْ ولِّسْ) المغطّى بشادر جلدي مهمته حماية راكبها من المطر أوالشمس الحارقة، وهي من نوع وجد رواجاً في عتاد جيوش الحرب الكونية الثانية.. أما معاملها فقد أُغلقت بعد الحرب إياها… وعن شهرة السيارة فحدثوا ولا حرج.. أصدقائي الشعراء ممن ركبوا معي أمطروها بوابل قصائد الهجاء.. بينما جميع رجال شرطة المرور يعرفونها، لا لقدمها التاريخي وحسب، بل لأني تلكأت عن دفع رسومها مدة عامين.. وقد كنت مخيّراً بين تعبئتها بالوقود، ودفع الرسوم السنوية.. فاخترت الحل الأجدى، لأنّ دفع الرسوم لا يحرك السيارة شبراً واحداً..
وذات يوم اتصل بي زميل في المهنة، وسألني عبر الهاتف: «أتعرف الفنانة التشكيلية هدلة الهديلي؟». وأجبته: «إذا قلت إنني أعرفها أكون قد كذبت.. وإذا قلت لا أعرفها أكون قد كذبت أيضاً.. حضرت لها معرضاً قبل عامين.. هي موهوبة حقاً.. لكن قيل لي إنها عصبيّة.. وهي لا تحب الصحفيين»!.. ورد صديقي: «نصف الفنانين عصابيون.. المهم هي الآن تقيم معرضاً في صالة (الرواق).. وقد أقنعتها بإجراء مقابلة صحفية تديرها أنت.. لعلها تغير رأيها عنا»..
وهذا ما كان… هتفت لها.. وتواعدنا.. وعرضت عليها الذهاب بسيارتي، حيث بيتها في شارع يلي شارع بيتي… وقد وصلْتُ قبل وصولها إلى نقطة تلاقينا.. وأسمعتها نقرتين من شخير (زمور) مدرّعتي… فاقتربت.. وراحت تتأمل السيارة بتمعّن يشبه الصدمة.. ثم صعدت.. وبلا مقدمات، لوحت بيدها وسألت بتعجب: «ما هذه؟.. هل هي سيارة؟».. فابتسمتُ، وأجبتها بثقة: «هذه ليست أمُّ السيارات.. بل جدّتهم..»…
بعد شارعين دخلنا في ساحة عريقة مكتظة بالناس والسيارات، وبعد أمتار قليلة سَكَتَ محرك السيارة.. ربما لضعف في البطارية.. وبدت مضيفتي قلقة.. بينما لمحتُ عبر المرآة شرطيين يهرعان نحو سيارتي.. وتوقف أحدهما قبالتي، وسألني: ما الأمر؟.. وأجبته لعلها البطارية.. فاستدار، ووقف خلف السيارة، واقترب.
بعد لحظات نادى زميله، ودفعا المركبة، فانطلقت.. وأطلقت الرسّامة ضحكة طفولية هادرة… وأدركْتُ عندها أن نصف المبدعين ليسوا عصابيين!.. ويا لضحكتها: «فهي الشهادة لي بأني (سائقُ)!»….

::طباعة::