سمعنا مؤخراً من أحد مفاصل التشريع القضائي عن إعداد مشروع قانون لرفع الحصانات، وهذا يعني أن لا أحد سيكون بعيداً عن العقاب مهما كانت مرتبته الوظيفية.
إنه خبر جيد، وربما نحن غير العارفين بالقانون كما أهله لا نعلم بوجود مواد قانونية تحمي المسؤولين الفاسدين وتمنع ملاحقتهم القضائية فيما لو ثبتت إدانتهم بجرائم تضر بالصالح أو المال العام، وكم كنا نسمع بأن هناك مسؤولين محصنين، ولكننا لم ندرك جيداً أن تلك الحصانة تختلف تماماً عمّا هو متعارف عليه شعبياً بأنه نوع من التحصين والحرز يحمي من المؤذيات والموبقات وارتكاب المفسدات.
ولعل توجه السلطة القضائية إلى إصدار تشريع يرفع الحصانات هو دليل على أن التحصين صنع أشخاصاً فوق القانون، وجعل المُحصن على استعداد للمخاطرة والاستماتة في سبيل الدفاع عن قراراته الخاطئة، وفشله وتقصيره في إدارة مؤسسته حتى لو صدحت كل أبواق الإعلام وكشفت ممارساته، فاختلطت الحصانة بالوساطة والمحسوبية والتحايل على تنفيذ القانون والشعور بالغبن والدونية وعدم تحقيق العدالة الاجتماعية واستُغلت بغير مكانها، فكم في الأروقة القضائية أناس بسطاء حملوا أوزار المحصنين…!
وللأسف، ما أُثير مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي من حصول أحد المشتركين في اختلاس أموال عامة على صك براءة، والمسارعة بعد ذلك إلى التوضيح بخبر كمٍّ الأفواه عن الحديث بتلك الواقعة، ليس إلا دليلاً على أن التحصين منح العاصين للقانون عصا سحرية وقوة هائلة، جعلتهم بعيدين عن المساءلة والعقاب، وغيرها الكثير من الملفات المشابهة التي ارتبطت بأسماء مسؤولين من الصف الأول.
ربما لا يعلم المحصنون أن القانون أقر الحصانة لحكمة وليس لجعلهم أشخاصاً فوق القانون، فالحكمة من الحصانة كما هو متعارف عليه ضمان لحماية المحصن أثناء أدائه عمله والطمأنينة للحفاظ على مستوى العمل من الضغوط أو التوجيه أو الحياد لطرف على حساب طرف آخر، وكما تقول السوابق البرلمانية والقضائية: «إذا لم يحترم هذا الشخص المالك للحصانة هذه الحماية حفاظاً على كرامته، فإن الجهة التى يعمل بها سواءً كانت برلماناً أو قضاءً أو غيرهما لا تحافظ على كرامته»، وبمعنى آخر لم تُقر الحصانة لإنقاذ مسؤول ما من العقاب وبقائه في منصبه الحكومي مهما كان الثمن.

::طباعة::