كنت أحب جارنا الفلاح الطيب الكريم عمي (أبو اسعد) المولع بقصة الزير التي يحفظها غيباً، وكان يكررها دائماً على مسامعنا، وكان عندما يقرؤها نلتف حوله كما نلتف حول البائع المتجول في قريتنا، ونتيجة نجاحه في كسب المزيد من المعجبين انزعج منه (آغا القرية) الذي لم يملك مقومات (الآغوية) ووجه له تهديدات كثيرة، فانزعجت من أن يسبب له الآغا أذى ما، فتوجهت إليه وقلت له: يا عمي أبا أسعد ألا تخاف؟!، فضحك وقال لي: لا تقلق يابني إن تهديده كتهديد الشاعر (الفرزدق) لخصمه (مربع)، فسألته: هل هذه من قصة الزير؟ فضحك وقال: لا، يقال إن الفرزدق هدد بقتل خصمه (مربع) فسمع خصمه الشاعر الأموي الكبير (جرير) وقال بيتاً من الشعر يستهزئ بالفرزدق، ولكنه خلد به (مربع) إذ يقول:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا
أبشر بطول سلامة يا مربع
بعد مرور أكثر من /50/ عاماً تذكرت هذه الحادثة وأنا أقرأ عن إدمان أمريكا تهديد دول العالم بالعقوبات الاقتصادية مثل زيادة الحواجز التجارية والتعريفات الجمركية ومنع التدفقات الاستثمارية والقروض ومنع الاستيراد والتصدير وحظر السفر وتجميد أصول ومنع تحويل الأموال…الخ، لإجبار الدول على تقديم تنازلات لمصلحة الإدارة الأمريكية، وتجدر الإشارة إلى أن استخدام الحصار والعقوبات الاقتصادية مفهوم قديم وأقدم من قصة الفرزدق وتعود إلى عام /432/ قبل الميلاد، حيث استخدمها اليونانيون ضد جارتهم (ميغارا) واستخدمتها أمريكا في عام 1812 ضد بريطانيا، وأيضاً في عام 1919 في عهد الرئيس الأمريكي (ويلسون) وضد إيطاليا عام 1935 لسحب قواتها من الحبشة وعلى اليابان عام 1940 لدخولها في الحرب العالمية الثانية، وكرستها الأمم المتحدة عام 1945 في ميثاقها التأسيسي ولكنها وضعت القرار في يد مجلس الأمن وفرضت عقوبات على حكومة روديسيا لممارساتها العنصرية، ولكن تم خرق الميثاق الأممي من أمريكا في عام 1959 بفرض عقوبات أحادية على كوبا، وفي تسعينيات القرن الماضي على العراق والسودان وغيرهما، لكن الكثير من الباحثين يؤكدون فشلها في تحقيق أهدافها بل يمكن تحويلها إلى قوة تنموية نتيجة الاعتماد على الذات والأصدقاء، وقد انتصرت الكثير من الدول على العقوبات الأمريكية الأحادية مثل: إيران وروسيا والصين وسورية وكوبا وغيرها، بل قد تنعكس سلباً على الاقتصاد الأمريكي كما حصل في اعتراض المزارعين والصناعيين والمستثمرين الأمريكيين على السياسة الترامبية المدمنة على التهديد بالعقوبات من جراء فقدانهم السوق الصينية وهي السوق الأكبر في العالم، وتقوم الآن دول البريكس وشنغهاي وبعض المنظمات الدولية ودول الاتحاد الأوروبي وغيرها بتنسيق سياساتها ضد العقوبات الأمريكية أحادية الجانب، وتجسد هذا عملياً بزيارة الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) إلى الصين وإيران وغيرها، وحالياً إلى الهند بتاريخ 4/10/2018 وتوقيع اتفاقيات اقتصادية بمليارات الدولارات وبالعملات المحلية، وهذه هي بداية تراجع تأثير العقوبات الأحادية الأمريكية، ومع إعادة الإعمار في سورية يجب أن نضع خريطة اقتصادية لمدخلات ومخرجات العمليات الاقتصادية مقيمة بعملات الدول الصديقة وبالمقايضة، ولاسيما أن أي عملة يتفق عليها يمكن اعتمادها كوسيلة تبادل، بدليل أن المقايضة، أي مبادلة سلعة بسلعة قد عادت من جديد على الساحة العالمية، وبين الدول الكبرى على الساحة الاقتصادية العالمية، فهل نبدأ من المقايضة أم من الاعتماد على عملات الدول الصديقة وعلى ليرتنا، حيث عندها ستصبح تهديدات أمريكا ضدنا كتهديدات الفرزدق لمربع، ورحم الله عمي أبا اسعد.

::طباعة::