لم تشهد إدارة من الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عهد نكسون حتى الآن اضطراباً داخلياً كما هي حال الإدارة الأمريكية الحالية.
فمنذ تولي الرئيس دونالد ترامب مقاليد الحكم في بلاده، والاستقالات والتعيينات الجديدة لم تتوقف، كما أنه وبعد مضي حوالي نصف الولاية الرئاسية، والجدل على أشدّه بشأن مشروعية هذا الرئيس من عدمها ولاتزال الصورة غامضة أشد الغموض.
السؤال المطروح حالياً: هل نشهد خلال الفترة القادمة «ربيعاً أمريكياً» كما هو حال «الربيع العربي» السيئ الصيت الذي اجتاح منطقتنا مطلع العام 2011 وعاث فيها خراباً وقتلاً ولاتزال مفاعيله المدمرة مستمرة، وربما تطول لفترة لا يعلمها إلا الله.
في الأمس كان آخر المستقيلين من إدارة ترامب نيكي هايلي مندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة.
وبعيداً عن أسباب الاستقالة التي عزاها البعض إلى الخلاف مع مستشار الأمن القومي جون بولتون فإن استقالة هايلي تعدّ مؤشراً جديداً على زمن الاضطرابات الأمريكية الآتية، خصوصاً أن الولايات المتحدة مقبلة على استحقاق التجديد النصفي لمجلس الشيوخ والنواب وربما هما أيضاً سيشهدان جدلاً لا يقل حدة عما شهدته الانتخابات الرئاسية الماضية.
في كل الأحوال فإن الولايات المتحدة كقوة عظمى أولى في العالم لا يتوقف صدى اهتزازها وذبذبتها وسوء تقدير المواقف فيها على حدودها الداخلية فحسب، بل يتعداها ليشمل العالم بأسره، والدليل على ذلك أن سوء تصرفات الرئيس ترامب واختلال مواقفه ومحاكماته سببت أزمات دولية طالت معظم دول العالم الفاعلة من روسيا مروراً بأوروبا وصولاً إلى الصين.
إن عدم استقرار السياسة الأمريكية في تعاطيها مع الداخل والخارج يعد من أكثر الأخطار التي يواجهها العالم، فالأخطاء الداخلية يتم تحميلها للخصوم بسهولة شديدة كما فعل ومازال فريق الديمقراطيين حين اتهم روسيا بالتدخل في الانتخابات لترجيح كفة ترامب وربما غداً في حال فوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس النصفية سيتم تحميل مسوؤلية الفوز للصين مثلاً.
ختاماً يمكن القول: إن هشاشة المجتمع الأمريكي وعدم تقبل اللعبة الديمقراطية بين جناحي التنافس الأمريكي على السلطة، فضلاً عن عدم الانسجام بين مكونات الجناح الواحد قد تدفع الولايات المتحدة وفي وقت قريب جداً إلى أتون صراع داخلي لن تتوقف مفاعيله عند حد الخلاف السياسي بل قد يتعداها إلى نزاع مسلح لا يبقي ولا يذر، وعلائمه بدأت تنذر بالظهور.

::طباعة::