من المعروف أن الشكل الذي يتخذه الفكر في تقصي مـا يبحث عنه غالباً ما يرتبط بالتعليم وتلك كانت حال الأقدمين أنفسهـم فهيراقليطس لم يكن معلماً فحسب بل يبدو أن معنى اللوغوس الذي تحدث عنه هو أحد معاني كلمة درس أي الشيء الذي يقال لكثيرين من أجل الجميع أي الحوار المتعقل أما مع سقراط وأفلاطون وأرسطو فقد غدا التعليم فلسفة وما اتضح هو أن الفلسفة غدت مؤسسة كي تستمد فيما بعد شكلها من المؤسسة القائمة والتي ستقوم هي في إطارها وهذا مـا ظهر بجلاء في القرنين السابع والثامن عشر بما عرفاه من خروج عن القاعدة كان أحد معانيه تسجيل قطيعة بين الفلسفة والتعليم فباسكال وديكارت وسبينوزا لم تكن مهمتهم الرسمية أن يتعلموا عن طريق تعليم الآخرين، وصحيح أن باسكال قد كتب خطاباً مترابط الأجزاء متناسقاً بيد أن خطابه تجلى كمسار ودرس منفصل يفرض لأول مرة الكتابة المقطعية ككتابة متناسقة أما في القرن الثامن عشر فإن الكاتب هـو الذي حمل على عاتقه مصير الفلسفة حتى غدت الفلسفة كتابة وحينذاك صار التعليم هو الحركة النشطة لتبادل الرسائل ونشر وتوزيع الكتيبات وأخيراً غدا روسو الفيلسوف الكبير وقد رمى جزء من كلامه إلى تغيير العادات التربوية ذلك أن الذي يعلم لم يعد هو الإنسان وإنما أصبح الطبيعة ذاتـها..

وأما فيما تسمت تسميته العصر الذهبي للفلسفة أي الفلسفة النقدية والمثالية تم العمل على تأكيد العلائق التي تربط الفلسفة بالجامعة ابتداء من كنط الفيلسوف والأستاذ وكذلك هيجل الذي اجتمعت عنده الفلسفة واكتملت حيث كان شغله الشاغل هو أن يتكلم من أعلى كرسي ويهيئ الدروس ويفكر بالخضوع لمتطلبات هذا الشكل التعليمي..

ومن الواضح أن ضرورة الربط بين الفلسفة والأستذة أي أن يكون المرء فيلسوفاً وأستاذاً في الوقت ذاته ولا بد أن تتمخض عنه نتائج هامة وذات جدوى لا يمكن نكرانها.

::طباعة::