من المعروف أن الفكر البلاغي القديم جذره بالأساس هو جذر ميتافيزيق حيث إن البلاغة القديمة كانت قد جعلت من مطابقة الكلام للمعنى شرطاً أساسياً لصحة التعبير وسلامته أو لفصاحته وبيانه وهي بهذا الأمر تكون قد استندت أساساً إلى الميتافيزيقا وإلى تصورها التقليدي حول مفهوم الحقيقة باعتبارها تجسيد لمبدأ التطابق والتوافق الكلي بين اللفظ والمعنى وبين التصور والشيء..

وبالتالي البلاغة باعتبارها مؤسسة ميتافيزيقية فهي لا تنظر إلى اللغة إلا كوسيلة تعبير فهي ليست سوى جسر يسمح بعبور المعاني والمجاز الذي يقوم بنقلها أي أنها أداة تبليغ تلك المعاني ومناسبة لحضورها ومثولها، وقواميس اللغة تدل على هذا المعنى الذي يحصر البلاغة في الوصول والإيصال والانتهاء والكفاية والفصاحة والبيان ولفظ بلغ إنما يعني بلوغ المعنى الأصل والانتهاء إلى الحقيقة وتجنب الخطأ.. وإذا كانت الميتافزيقا تنظر إلى الكتابة كعملية حصر يهيمن عليها منطق الهوية ومعنى ذلك أن الكتابة ليست مجالاً لإنتاج المعاني فهي مجرد جسم تقطنه روح النص فإن البلاغة قد ساهمت في تكريس مفهوم المطابقة باعتباره ذلك التوافق بين اللفظ ومعناه المحصور في الدلالة على الأصل وليس من دور للكلام سوى الكشف عن هذه المعاني الخفية وهنا يغدو الدليل وسيلة لاستحضار المدلول القائم في الذات..

ووفق هذا المنظور فإن الكلام هو المجال التداولي الذي يحقق حضور المعاني ومن ثم فهو ليس إلا وسيلة للإخبار والاستعمال وليس مجالاً لإنتاج المعاني وتوليدها وذلك لأن هذه المعاني تبقى واحدة بالنسبة للجميع فهي موجودة مسبقاً ولكن العبرة في التقنية التي يمارسها الكلام لإخراج المعاني المطروحة التي لا يلحقها تغيير لأنها عامة وبالتالي إن البلاغة لا تغدو هنا سوى الحامل للمعنى على الظهور والإبانة أي على الحضور والمثول ومن ثم فوظيفتها هي الكشف بوصفها ركنا أساسياً للبيان، وبالتالي نستنتج بوضوح أن البلاغة أساسها ميتافيزيقي لأنها قد أسست منظورها للعالم منذ بدايتها على أساس ميتافيزيقي من حيث إنها بيان للحقيقة لا كتعدد وإنما كتجل للتطابق والمثول.

::طباعة::