تنتصر سورية يوماً بعد يوم، وهي كأنها بهذا الانتصار التدريجي تقتل خصومها ببطء: يا للعذاب..فالعدو ظل خلال سنوات ينتظر «سقوط» دولة لا يمكن التكهن بمصير العرب بعد «سقوطها»..لقد كانت الوحيدة التي تشدّ عصب العرب والعروبة، وتقدم الصورة الأخرى عن عرب يقاومون مشاريع الاحتلال..الكراهية هنا تحولت إلى مرض..انقلب السحر على الساحر..أي دواء سيعالجهم من مرض العداء المزمن لسورية..امتزجت أحاسيسهم وأحلامهم مع أحاسيس وأحلام الصهيونية..لا تستطيع خلال هذه السنوات أن تميز بين تصريح عربي وتصريح من تل أبيب..على قلب رجل واحد يتمنون «سقوط الأسد»..ولقد تناول هذا الأخير إكسير عدم السقوط مذ أعلن المقاومة..فالمقاومون لا يسقطون..إنهم فقط ينتصرون أو يستشهدون فيرتقون أكثر..بينما كل التحاليل السياسية الرّقطاء سقطت.
الغريب أن الكثير من المغالطين حين فشلت آراؤهم بشأن محور المقاومة أصبحوا اليوم يلوذون بنمط من التحليل المحتال، أي التوسل بمغالطة غبي كجاك بريفير: مسح كلّ السبّورة..وهنا تجدهم يهربون إلى الأمام بدعوى أنّ الكل متورط في المشروع الأمريكي..أي غبي هذا يقبل أن يسمع هذا الهراء؟..من أي «مزبلة» للتحليل السياسي أتت هذه القذارة؟ لكنه في زمن المغالطة يبدو ممكناً..لأنّ آذاناً حاقدة لها القابلية أن تصدّق هذا النمط من التحليل التهريجي الذي يجعلهم في وضعية الهارب من استحقاقات تكهناته واستشرافاته القديمة..هؤلاء المخادعون لأنفسهم وللآخرين يمكن القبض على سرّ تفاهة ما يكتبون من خلال النظر في تاريخ ما كتبوا..إنهم أغبياء بقدر ما «يتطوحون» بين أنماط التحليل، يعبرون عن خيبة أمل تلك التي أظهرتها الأحداث.
.. كانوا يرسلون تمنّياتهم في صورة تحاليل سياسية.. حلموا «بسقوط» سورية، لكن سورية لا تسقط، لأنّ الرئيس بشار الأسد لا يساوم ولا يتخلّى عن المقاومة..هو ابن تاريخ من الكفاح..من صُلب الذي لم يوقّع..من تربية حافظ الأسد..وهو هو أيضا بشّار: هو بشّار يملك خصائص ربما كانت لتظهر كلها لولا وجود هذه المحنة..لقد ظهر المعدن النفيس..يستحق منّا الأبطال أن نمدحهم وهم في معمعة الوغى، لأننا حينئذ نمدح كرامتنا، لأنّهم شرّفوا الأمّة، أستطيع أن اقول: أنا عربي..لكن ماذا لو «سقطت» سورية؟..إنّ هذه المعركة كانت مصيرية للجميع، والأهم فيها أنّه كان وما زال يتوقف عليها مصير الكرامة العربية..الذين أرادوا لسورية أن «تسقط» لا تهمهم الكرامة العربية، كانوا يتأهّبون لتحويل سورية إلى متنفس سياحي لـ «إسرائيل» ومركز «كازينوهات» في الشرق الأوسط..
المرجفون هاربون مثل الصراصير إلى الأمام..بعضهم يحبس الأنفاس ويتظاهر بالاستقالة «لكي يمر سليمان فلا يحطمنّ النمل»..يمنحون هروبهم هذا صفة «التسامي» الاستراتيجية..يعطون دروساً في الاستراتيجيا بعد أن كانوا جزءاً من الحلم «العبيط» بـ «سقوط» سورية..يقولون «كيت وكيت»..تارة أن الأوضاع اختلفت..تارة يقولون «لولا روسيا لما كان ما كان»، مع أن «لو» من الشيطان، وتارة يقولون: «انتصر ولكن كيف يحكم»، لكن الحقيقة هي: ما قيمة هذا الهراء بعد أن سحق الأحرار جحافل الإرهاب؟ في أي ميزان للمعقول السياسي سنضع تحليلات تتذاكى وتستغبي القارئ؟ هل هذا وصف حاقد لما يجري أم هو تحليل سياسي؟ إن أحد أهم وأبرز مقومات التحليل السياسي هو القدرة على الاستشراف، لكن هذه التحليلات الهاربة لا استشراف لها ولا شرف..لقد أسقط الرئيس الأسد مصداقية الكثير من المحللين الذين كانوا طوال هذه السنوات طابوراً خامساً لإمبراطورية الإعلام الرجعي..هذه أشبه ما تكون بمخلّلات سياسية وليست تحليلات سياسية..الحقد يحجب العقل والمعقول عن صاحبه..انتصرت سورية وستكون لهذا الانتصار تداعيات كثيرة منها وجود أمراض خطيرة ستنتشر بسبب الإحباط..المهرولون إلى الأمام..المتفلتون من العقاب لقاء ما اقترفوا من تحليلات سياسية تافهة..ظواهر كثيرة ستنشأ على هامش الانتصار السوري..الطوابير التي جُندت لملء المشهد بالهراء ستنزلق في ثقوبها..ستفكّر في ممرات وجحور جديدة..ستفكر في مخارج لتبرير كل الأحقاد التي مُررت باسم حقوق الإنسان والشعب والديمقراطية.
ما أقرؤه اليوم هنا وهناك من محاولات الهروب من الماضي واجتراح تحليلات عدمية ومحاولة الحديث عن أخطار تواجه العرب بعدمية ليس فيها تقدير لمكتسبات المقاوم، يتم فيها اتهام الجميع، كلها مغالطات تبسيطية بكل معنى الكلمة..تهوين إنجازات المقاومة مغالطة..محاولة القول بأن محور الممانعة اكتسب مكسباً هنا أو هناك «نتيجة تعاون مع العدو» هو سخف لا أخلاقي فضلاً عن جهل بمعادلة الصراع..يعزّ على كل حاقد أن يقبل أنّ ما تحقق هو بفعل المقاومة وكفاح الأحرار ودم الشهداء..ما يصعب على خصوم سورية الإقرار به، إن كان بهم رمق من الموضوعية، هو أن سورية لم تخطئ..لقد قاومت بحق وشرف..أمّا انتصارها، الذي يخيف خصومها، فهو انتصار اعترف به العالم..لقد جعل «الإخوان» العداء لسورية ركناً من أركان «العقيدة»…ولقد استغلت الميديا الإمبريالية والصهيونية والرجعية هذا «المعتقد الإخواني» في ملحمة التبشيع والتحامل على سورية طوال ثماني سنوات عبثاً..اليوم باتت جحافل الإرهاب ترحّل مجدداً ناحية أفغانستان، ستبدأ جولة جديدة من زعزعة استقرار المنطقة، هذا هو سبب الضغط الكبير على سورية لكي لا تقوم بعملية عسكرية لتحرير إدلب من الإرهاب..
لقد وفروا لـ«داعش» و«النصرة» ممراً آمناً إلى منطقة نزاع جديدة، أدوات اشتغال الإمبريالية، وللمغفّلين الوعي الزائف وحقائق بوزن التّبن..هؤلاء الذين يرحلون إلى أفغانستان هم من كان يسميهم ديكة الإعلام الرجعي «الشعب السوري»، كلّ هذا الدجّل أصبح تحت حذاء المقاومة..
لم نكن نقرأ في زعيق ما سمّي «المعارضة السورية» في الخارج معالم التحرر والثورة..كنّا نرى فيهم صورة عبيد فاقدين للمروءة، فلا ثورة على بلد هو في حالة كفاح..ولا تحرر تحت وصاية «ناتو»..ولا ثورة من على منابر «إيباك»..لقد سعى هؤلاء إلى قلب كل مفاهيم علوم الإنسان والمجتمع لكي يبرروا للرأي العام أنهم على شيء من «المصداقية» فيما يزعمون، ولكن حبل التّاريخ كان تدريجياً يلتف حول أعناقهم..لقد تدانت المفاهيم حتى باتت رديئة، وتنتظرنا مرحلة ما بعد إعلان الانتصار لكي نحيّن المفاهيم الصلبة ونكنس محاولات الألعبان في عبثه الطويل بالمفاهيم..إنّ الانتصار السوري ستكون له آثار أخرى: انتصار مفاهيمي، فلسفي، ثقافي، سياسي، اجتماعي، فنّي…سوف تُقرأ كل تحليلات خصوم سورية كجزء من تاريخ التّفاهة في زمن الغزو والاحتلال..

*كاتب من المغرب

::طباعة::