ربما تحمل مناسبة الذكرى الـ 45 لحرب تشرين التحريرية معاني كثيرة في ظل انتصار سورية وحلفائها في أكبر حروب تواجهها سورية في التاريخ، وأحد أهم هذه المعاني نستنتجه مما حمله مقال كتبه الجنرال الإسرائيلي عاموس يادلين رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية سابقاً ومدير ما يسمى«معهد أبحاث الأمن القومي INSS» حالياً ونشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» بالعبرية والإنكليزية في السادس من تشرين الأول الجاري.
فالعنوان الذي اختاره يحمل وحده دليلاً واضحاً واعترافاً صارخاً على تدهور القوة الاسرائيلية وأزمة الكيان الصهيوني المصيرية رغم كل اتفاقات السلام التي فرضتها تل أبيب على مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، فالعنوان هو «التحديات الأمنية الكبيرة التي يجب على «إسرائيل» مواجهتها» ويحددها قائلاً: « إنها ستة امتحانات حساسة وقاسية في ست ساحات هي:
1- إيران وتعزيز تحالفها مع سورية.
2- لبنان.
3- «محاولة إيران امتلاك السلاح النووي».
4- منظومة صواريخ «إس 300 وربما إس 400» الروسية ودورها في سورية .
5- «انهيار» منظمة التحرير الفلسطينية.
6- «انفجار» قطاع غزة.
وهذا يعني -بحسب التعبير الإسرائيلي- أن جبهة حرب تشرين عام 1973الشمالية عند حدود الجولان السوري المحتل عادت الآن أكثر قوة وأصبحت تمتد إلى جبهة جنوب لبنان التي تتجمع فيها قدرات حزب الله العسكرية والقتالية المتقدمة بعد اتفاقية السادات في «كامب ديفيد» وخسارة جبهة مصر عام 1979، وأن محاولة إخراج الفلسطينيين من الصراع ضد العدو الصهيوني بسبب اتفاقات أوسلو لم تتحقق لأن فصائل المقاومة في قطاع غزة أصبحت تشكل جبهة جنوبية ضد الاحتلال والحصار الصهيوني، بينما تستمر المقاومة الفلسطينية بكل أشكالها في الضفة الغربية رغم كل الصعوبات.
وهذا يعني أيضاً أن حرب تشرين عام 1973 لم تتوقف من جبهة الشمال السورية ونظيرتها في جنوب لبنان بعد انتصارات المقاومة في لبنان عام 2000 وعام 2006، وبقيت تشكل دعماً ومثالاً للشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة .
وينتقل يادلين إلى عرض تصوراته للتغلب على هذه التحديات فيرى أن هذه التحديات الكبيرة تفرض على «القيادة الإسرائيلية» مايلي:
1- «توسيع التنسيق مع الولايات المتحدة أكثر فأكثر», وهذا يعني تزايد الاعتماد على القوة العظمى الأمريكية وعجز القوة الإسرائيلية الإقليمية عن إمكانية مواجهة هذه التحديات وحدها.
2- «تحويل قدرة الردع الإسرائيلية إلى قوة تقنع الأعداء بالرضوخ»، وهذا ما لا يحدث حتى الآن لا على الجبهة الشمالية ولا على الجنوبية.
3- «بذل الجهود لمنع التصعيد العسكري في المنطقة»، وهذا يعني أن تل أبيب تخشى حرباً شاملة ليست من مصلحتها في هذه الظروف.
4- «إيجاد الطرق المناسبة للتنسيق مع روسيا»، وهو ما لم يعد ممكناً بعد تسبب «إسرائيل» بسقوط الطائرة الروسية في أيلول الماضي .
ويضيف يادلين أن «الوضع الراهن يشكل الامتحان النهائي للقيادتين العسكرية والسياسية في «إسرائيل»، ويتطلب جهوداً مشتركة مهنية قائمة على الثقة خصوصاً بعد أن اقترب عام الانتخابات البرلمانية المقررة، بينما يشهد مجلس الوزراء المصغر لشؤون الأمن خلافاً ونزاعاً بين وزرائه, ومثل هذا الوضع ليس مثالياً لمجلس تحدد فيه القيادة قرارات بالحياة والموت».
ولا شك في أن ما يعرضه يادلين يثبت تماماً فشل المخطط الصهيوني –الأمريكي الذي أراد تصفية الصراع العربي -الصهيوني وحقوق الشعب الفلسطيني بعد حرب تشرين التحريرية بوساطة التسويات المنفردة وتفتيت القدرات العربية المركزية، تمهيداً لاستفراد تل أبيب بالمنطقة كلها، مثلما يثبت في الوقت نفسه أن انتصار سورية وحلفائها شكل ميزان قوة إقليمية تزايدت قدراتها العسكرية والسياسية فعوضت عن خسارة مصر وتدهور مكانة منظمة التحرير بعد اختيارها محور النظام الرجعي العربي المتحالف مع الولايات المتحدة، فالشعب الفلسطيني لم يلقِ السلاح وبقي منذ اتفاقات أوسلو عام 1993 متمسكاً بالمقاومة موقفاً وكفاحاً لم ينقطع.

::طباعة::