لم ترحم الحرب طفولتهم الضائعة بل أكلت ألعابهم وأحرقت نور البراءة في عيونهم فبتّ ترى طفلاً لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره يدخن لفافته في مقهى عام وكأنه شاب أو رجل معتز بهيبته، وعنفوان رجولته..
وعلى قارعة الطريق ترى طفلاً آخر أخذت منه الحرب أحلامه الوردية، فيجلس منتظراً السيارات ليمسح زجاجها أو يتوسل لسائقها أن يشتري منه علبة محارم أو وردة جورية.
ومن لم يجد منهم عملاً فتح راحتيه متسولاً ليعيل أسرته، في محاولة لتعويض مصروف قد أثقل كاهلهم..
المجتمع المسؤول هنا لم يقف موقف المتفرج بانتظار أن يخسر جيلاً كاملاً، بل عمل ما في وسعه لإلحاق الأطفال بمدارسهم والتخفيف بشتى الوسائل من نسبة التسرب.
يشير رئيس شعبة التعليم الإلزامي في مديرية تربية حلب محمد زياد مشو إلى الخطوات التي خطتها الدائرة منذ مطلع العام الحالي، حيث كانت البداية من متابعة المتسربين أصولاً (رفع إنذارات خطية لأولياء أمور التلاميذ المتسربين عن طريق أقسام الشرطة) مع العمل على توفير كل الاحتياجات لعملية افتتاح صفوف الفئة (ب).
وتصديق أوراق سبر المعلومات للتلاميذ الوافدين من دون أوراق ثبوتية، وإجراء سبر معلومات للمواطنين الذين فقدوا وثائقهم ومنحهم وثيقة نجاح في الصف السادس في حال نجاحهم، ورفع أسماء التلاميذ المخالفين عمرياً للوزارة لأخذ الموافقة على الحصول على استثناء من شرط السن. إضافة لمنح وثائق تقدير أعمار للمكتومين لقبولهم في المدارس بعد عرضهم على لجان مختصة.
أما خلال فصل الصيف فتعمل المديرية على القيام بدورات صيفية (تقوية) للتلاميذ الوافدين من دون أوراق رسمية ثبوتية عن طريق اليونيسيف.
ومع كل هذه الخطوات الجادة والعمل الدؤوب، لماذا يبقى الأطفال هم أكثر المتضررين في مثل هذه الأزمات؟!.
يجيبنا موجه الإرشاد النفسي في مديرية تربية حلب عبد المنعم الموسى بأن ذلك يعود إلى عدم قدرتهم على فهم ما يدور وانخفاض خبراتهم ولعدم استطاعتهم التعبير بصورة دقيقة عن خواطرهم، وهنا يأتي دور الإرشاد النفسي والاجتماعي للوقوف إلى جانب الأطفال، وتوعيتهم، وقد تم تشكيل فريق للدعم النفسي والاجتماعي مهمته تقديم الدعم النفسي في مراكز الإيواء للأسر والأطفال المتضررين، إضافة لتوزيع المرشدين على مراكز الإيواء جميعها وقيام الفريق بأنشطة هادفة للتخفيف من الآثار النفسية التي تعرضوا لها نتيجة نزوحهم من منازلهم، وبعض حالات الفقدان التي تعرضوا لها.
وبعد تحرير حلب ريفاً ومدينة والحديث هنا للموسى: قام فريق الدعم النفسي بجولة على المدارس المحررة وتوعية الأطفال بخطر المخدرات والإدمان والتعريف بالحرب وآثارها في جيل الشباب.
إن الأطفال أقل قدرة على تحمل الأزمات والصدمات من الكبار، وما يصاحبها من نكبات وخيبات، فيتم تخزينها عند الأطفال كخبرات غير معنونة، وبعد تفاقم حالة الطفل النفسية تتحول مشاعر الفزع والخوف إلى آفة نفسية مزمنة.

::طباعة::