كالبيت العتيق المتداعي، تبدو في لوحة الوجود! شحوبٌ شديد، وصوتٌ خافتٌ لا يُستخدم إلا للضّرورة، وحركةٌ بطيئة تقتصد الطّاقة أو لعلّها لا تجد طاقةً تغذِّيها، هكذا بدت لي السيّدة حين رأيتُها بمحض المصادفة وأنا مع ابنتها، وعلى عادة من نطأ عتبتَه، في هذا البلد، مهما كانت درجةُ معرفتنا به بادرت إلى التّرحاب وأحضرَتْ القهوة وكأسَ الماء البارد وجلسَت صامتة، تُوزّع نظراتها بين أصابعها النّحيلة التي تمسك بالفنجان والسّيجارة، وقدميها المستريحتين على البلاط النّظيف، والضوء الشّارد من السّتائر التي حالَ لونُها، وفهمتُ من الحوار المتقطّع أنّ جملةً من الأمراض، التي استعمرتنا في هذا العصر، قد احتشدت عندها: قلبٌ مضطربٌ تحت ضغطٍ لا ينتظم، ودوارٌ مفاجئ غدَرَ بها، مرّةً في المطبخ وهي تضع القِدْرَ على الموقد، ومرّةً في مدخل البناء وهي تحمل أكياس الخضر، وفي تقرير الطّبيب المُنَمْنم تفسيرٌ للغيبوبات المتكرّرة: خثراتٌ عبرت الأوردة على مهل، ولسبب غير مفهوم مضت بسلام!
مجانبةً للمنطق، وتبديداً للصّمت بيني وبين بنت السيّدة، رحتُ أمتدح فضائل تناول الفاكهة، والنزهات في الهواء الطّلْق، وسماع الأغاني الهادئة، واستدعاء الذّكريات الجميلة التي كانت قبل الحرب الإجراميّة علينا، وأنا أعلم أنّني أغرس يدي في صخرٍ لألمس بذرةً نديّة، فلا شيء يحرّك هذا اليباب الذي شاهدتُه إلى درجة يباس الابتسامة ونبرة الصّوت ولمعة الحدَقة، والأدوية المتراكمة في الوقت الضّائع، والمعجزات التي ولّى زمنها، لكنّ الصّديقة التي اعتذرت عن موعدها معي بعد عشرين يوماً من ذاك اللقاء، بسبب عودة أخيها من تهجيره القسريّ، جعلتني أصرُّ على هذا اللقاء، بدافع معرفة كيف عاش في غربته بعد أن أحرقوا بيته وحاصروه حتى في مغتَرَبِه البعيد، ويا لذهولي مما رأيت! كانت السيّدة كأميرةٍ خرجت إلى شرفةٍ مشمسة في الصّباح، مستقيمة القامة، مشرقة الأسارير، متورّدة، بقميصٍ أبيض، وشَعْرٍ مجموعٍ ببكلة ذهبيّة على قمّة رأسها، وهي تنساب بين المطبخ وغرفة الجلوس التي كان تلفزيونها يبثُّ صوره الصّامتة، وصوت فيروز يأتي من مذياعٍ مفتوحٍ في مكانٍ ما.. وعلب الأدوية كلُّها مغلقة ومرتّبة على طاولة الهاتف الصّغيرة، وغنّى صوتُها وهي تقدّم القهوة وتتذكّر لقاءنا الأوّل، وأنا، في نفسي، أهجو الشّوقَ وأفاعيلَه، ذاك الذي كاد يقتلها ومحبوبُ قلبها غائبٌ وميئوسٌ من عودته ولقائه، وإذ عاد هبّ النَّسغ من الجذور إلى العروق فالأغصان والأوراق!
أيّها الحبُّ، ما أعظمك! فيك وحدك تكمن معجزات الانبعاث والدّيمومة والدّواء والشّفاء!

::طباعة::