إن كتاب «صوت مصر» لمؤلفته فرجينا دانيلسون (المركز القومي للترجمة- القاهرة) ترجمة عادل هلال عناني، هو ثمرة ما يزيد على خمس سنوات من البحث الميداني في مصر، إضافة إلى قراءة وتفسير قسم كبير من فيض الكتابات والأحاديث الغنية بالموسيقا والموسيقيين، فقد كانت أم كلثوم أوسع المغنين شهرة في العالم العربي في القرن العشرين، وكانت الحفلات التي تنقلها على الهواء مباشرة في ليلة الخميس الأوّل من كلّ شهر معروفة بقوتها، ولذلك كان مستمعوها بالملايين، وقد كانت الحياة تتوقف عندما تغني أم كلثوم… نحن إذاً أمام قصة فتاة ريفية كبرت لتصير رمزاً ثقافياً لأمة كاملة، ولذلك تعدُّ ُأم كلثوم هي وأعمالها الغنائية من الفن الأصيل، الفن المصري والعربي الحقّ، إنها تشارك في انتقاء وصياغة كلمات وموسيقا أغانيها، فضلاً عن تدخلها في تحديد الظروف التي تؤدي فيها هذه الأغنية.
ولدت أم كلثوم لأسرة فقيرة في قرية صغيرة، في الرابع من أيار عام 1904، كان أبوها إمام مسجد القرية، وأمّها ربة بيت، ولها أخت وأخ هو خالد، وكانت الأسرة تسكن في قرية طماي الزهايرة بالقرب من مدينة السنبلاوين، محافظة الدقهلية بالدلتا، وعندما بلغت الخامسة من عمرها بدأت بالذهاب إلى كتاب القرية، مثل أخيها خالد، وكان والدها يضيف إلى دخله الضئيل من المسجد بتأدية الأغاني الدينية في الأفراح وغيرها، وكان يؤدي هذه الأغنيات مع ابنه خالد وابن أخيه صابر، وكانت أم كلثوم تستمع إليهم وهم يتدربون، فحفظت تلك الأغاني عن ظهر قلب.
بدأت أم كلثوم الغناء في قريتها، في بيت العمدة، وذلك لمرض أخيها خالد، اشتركت في الغناء وكأنها الصبي الغائب، كانت الذخيرة الغنائية للأسرة تتكوّن من الأغنيات الدينية،ومن بينها أغنيات تحكي السيرة النبوية، ثم جاءتها دعوة للغناء في احتفال إحدى القرى المجاورة وحصلت على عشرة قروش نظير غنائها، وذاع الكلام عن تلك الطفلة ذات الصوت القوي التي تغني أغاني المشايخ، ولصغر سن أم كلثوم وصوتها الفريد في قوته صارت عنصر الجذب في الفرقة، وصار الزبائن يطلبونها بالتحديد وبدأت قرارات الأسرة تتخذ على أساس امتهان أم كلثوم للغناء، وقد حُلّت هذه المشكلة باشتراط أبيها أن ترتدي أم كلثوم عباءة صبي مع غطاء الرأس البدوي، وجاءت الخطوة الأولى التي خطتها في اتجاه إحياء الفن في القاهرة نتيجة ذيوع صيتها، فغنت لتوفيق بك زاهر القاضي بالقرب من دمياط، وأصبح توفيق بك واحداً من وجهاء الدلتا الذين يعزى إليهم فضل اكتشاف أم كلثوم.
في الفترة من عام 1910 إلى عام 1920 زاد أجر أم كلثوم من عشرة قروش إلى 25 قرشاً، ثم إلى جنيه كامل، وفكرة ذهابها إلى القاهرة تعود إلى زكريا أحمد الذي زار السنبلاوين ومعه الشيخ أبو العلا، للغناء في عدد من ليالي رمضان، وطلبت من والدها أن يدعوهما لزيارة منزلهم وهناك غنت في حضورهما، وأقنعا والدها بالذهاب إلى القاهرة، وفيها قدمت عدة حفلات ناجحة على مسارح وسط المدينة، كما غنت في بيوت الأثرياء، وفي حفلات الزفاف، وهكذا أثبتت وجودها في المدينة كمغنية معترف بها.. وفي وقت مبكر من العشرينيات، انتقلت أم كلثوم، ومعها أسرتها للعيش في القاهرة، شجعها على ذلك، نجاحها، وما وصلت إليه، فاعتلت مسارح القاهرة، كان هدفها الشهرة والثروة، ومع ذلك فإن خلفيتها الغنائية والثقافية جعلت جماهير مستمعيها يضيفون عليها قيمة من نوع خاص، وكان هذا ضماناً لنجاحها في القاهرة.
بين عام 1922 و1928 تبدل حال أم كلثوم من المغنية المثيرة للفضول إلى نجمة كبيرة، لقد أدخلت تحسينات كبرى على مهاراتها الغنائية وأسلوبها في الغناء، ومظهرها العام كجزء من سعيها لأن يكون لها رصيد غنائي وهوية مهنية تضمن بها استمرار الطلب عليها وتحقيق الشهرة والثروة اللتين انتقلت إلى القاهرة بسببهما في المقام الأوّل وانضمت أم كلثوم كمغنية موهوبة على قدر من الخبرة، إلى حقل النشاط الموسيقي واختطت لنفسها مساراً فيه.
ما إن دخلت أم كلثوم إلى حديقة الأزبكية حتى وضعت نفسها في مصاف العديد من المغنيات الناجحات، مثل توحيدة، ومنيرة المهدية، وفتحية أحمد، وسكينة حسن وماري جبران… الخ. ثم تحقق لها أعظم نجاح مع بداية التسجيلات الغنائية التجارية، فقد تعاقدت معها شركة «أوديون» في عام 1923، وقدمتها إلى أحمد صبري النجريدي الذي اتخذ من تلحين الأغاني هواية له، ثم قدّمها ألبير ليفي إلى ملحن آخر هو محمّد القصبجي الذي لحن لها أغنية، وكانت الأغنية واحدة من تسجيلاتها الأولى، وقد أصدرت شركة «أوديون» 12 تسجيلاً لها، وجميعها أغنيات ذات ألحان جديدة وغير دينية في موضوعاتها، وهكذا لاقت تسجيلات أم كلثوم الأولى إقبالاً شديداً من المشترين، وحققت الشركة من ورائها أرباحاً كبيرة، وبفضل هذا النجاح صار بإمكانها أن تحصل شيئاً فشيئاً على عقود مجزية، ومن شدة الإقبال على شراء أسطواناتها كانت ترفع أجرها مع كلّ أسطوانة جديدة، ثم تركت الشركة عندما تلقّت عرضاً من شركة «جراموفون».
كانت أم كلثوم تسعى لتكوين رصيد غنائي متنوع، فبدأت تسعى في طلب كلمات وألحان وضعت خصيصاً لها، وساعدها في ذلك الشاعر «أحمد رامي»، وأتى لها والدها بـ «محمود رحمي» من نادي الموسيقا الشرقي ليعلمها العزف على العود وغناء الموشحات، كما أعطاها بعض الملحنين دروساً في التلحين، ولكن أهم معلميها هو الشيخ أبو العلا محمّد الذي كان على درجة فائقة من التمكن من التراث الموسيقي والموشحات. قام أبو العلا بتحفيظها القصائد والأدوار، وعلمها التلحين والأداء ومكنها من اكتساب المزيد من القدرة على التحكم في صوتها القوي، وعلى زيادة مرونته وتحسين مهاراتها الفنية لتوافق صوتها مع معنى النص واللحن.
وكانت اختيارات أم كلثوم فيما يتعلق بأسلوبها الغنائي وأسلوبها الشخصي قد اكتسبت أشكالاً ثابتة بحلول عام 1929، فأخذت تزيد من أغانيها العاطفية، التي كتبها أحمد رامي ولحنها محمّد القصبجي خصيصاً لها، وصارت مستعدة لتقديم موسم يتكوّن بالكامل من الأغاني الجديدة، وعدد من قصائد أبو العلا، وهكذا انتهى زمن الملابس الرخيصة وأغطية الرأس الرجالية وأغاني الموالد، وبفضل قدراتها الصوتية والاجتماعية وصلت أم كلثوم إلى مصاف المطربات الأعلى مكانة مثل فتحية أحمد ومنيرة المهدية، وصارت جديرة بأن تكون هدفاً لهجماتهن، وبعضهن أخذن في تقليدها.
في الثلاثينيات قدمت أم كلثوم مواسم من الحفلات الغنائية التي أذيعت في ليلة الخميس الأوّل من كلّ شهر، وداومت على تقديمها في كلّ موسم من مواسم مشوارها الفني حتى عام 1973، وصارت تلك الحفلات أحداثاً اجتماعية مهمة ومتميزة، وأبدت اهتماماً بالسينما فور ظهور فيلم محمّد عبد الوهاب «الوردة البيضاء»، وفي سنة 1935 بدأت تصوير فيلم «وداد» واختارت فكري أباظة لكتابة السيناريو ومحمّد عبد الوهاب لمشاركتها البطولة، وعرض بولوس حنا أن يقدم التمويل اللازم لتغطية نفقات الفيلم، وبعد الانتهاء منه بدأت تصوير فيلم «نشيد الأمل» وثالث أفلامها «دنانير» وكانت أم كلثوم تشترط أن يكون لها الحقّ في التدخل في الكثير من عناصر أفلامها، وكانت تمارس هذا الحقّ بالفعل، على الرغم من افتقارها إلى الخبرة بالتمثيل.
عرض فيلم «سلامة» في عام 1945 ومثلت فيه أم كلثوم دور جارية مغنية، وغنت فيه سلامة موشحاً وقصيدة وموالاً دينياً وفزورة غنائية وأغنية حزينة، أدتها بأسلوب الأغاني التي ينشدها حادي القافلة، كذلك تلت عدداً من آيات القرآن الكريم، وبذلك تمكنت أم كلثوم من استعراض مهاراتها في جميع هذه الأجناس الغنائية، وفي الوقت نفسه تمكنت من تصوير نفسها كواحدة من بنات العرب تمتهن الترفيه والغناء البارع.
أما فيلم «فاطمة» عام 1947، فإن أحداثه تجري في القاهرة المعاصرة، وتدور أحداثه حول المعاملة السيئة التي تلقاها ممرضة فقيرة من ابن باشا ثري.. وفيلم «عايدة» عام 1942، هو واحد من أعمال أم كلثوم القليلة التي لم يكتب لها النجاح، وتدور أحداثه حول حياة فتاة مصرية تحلم بالغناء في الأوبرا.
توقفت أم كلثوم عن العمل في السينما لكونها شغلت باختيار أغانيها الجديدة فلم تعد تجد الفرصة للاشتراك في هذه الأفلام.
احتفظت أغاني أم كلثوم بجماهيريتها لعشرات السنين وظلت أغنيات بعينها تلقى إقبالاً لفترات أطول، وهي الآهات، الأولة في الغرام، الورد جميل، غني لي شوي شوي، أنا في انتظارك، أهل الهوى، الأمل.
وفي سنة 1946 قدمت أم كلثوم مجموعة من القصائد الجديدة، ومعظمها من نظم أحمد شوقي وتلحين رياض السنباطي، هذه القصائد التي لازمت أم كلثوم حتى أواسط الخمسينيات، إذ إنه لم تقدم غير سبع أغنيات أخرى.
بعد الأغنيات الرائعة التي شدت بها أم كلثوم، بدأت تقاسي سلسلة من المحن الصحية، وغيرها من المحن الشخصية، وهنا فكرت في الاعتزال، وقد حاولت أن تستأنف برنامجها المعتاد بعد عودتها من رحلة علاجية إلى الولايات المتحدة في عام 1949، ومع ذلك ظلت تعاني مشكلات صحية.
في عام 1960 التقت أم كلثوم ببليغ حمدي، وبعد تقديم «أنت فين والحب فين» بدأ يلحن لها أغنية كلّ عام حتى عام 1974، وتميزت ألحانه بـأنها ألحان «خفيفة» وبذلك جاءت مختلفة عن الألحان التي اعتادت أن تغنيها من عمل زكريا أحمد والسنباطي… وفي آخر مسيرتها الفنية عملت مع سيد مكاوي، وجاءت «يا مسهرني» لتكون النتيجة الوحيدة المكملة لعملهما معاً.
يعتقد معظم المقربين أن الرئيس عبد الناصر هو الذي قرّب بين أم كلثوم ومحمّد عبد الوهاب، فقد كان معجباً بهما ومن معارفهما الشخصية، وفي عام 1960 حصل كلّ منهما على وسام الاستحقاق من الحكومة المصرية، بدأ المشير عبد الحكيم عامر بأمر من الرئيس عبد الناصر مساعيه من أجل عمل مشترك، وكان ثمار عملهما أغنية «أنت عمري» التي أذيعت عام 1964، وأظهر براعة فائقة في استيعاب الملامح الموسيقية لأساليب موسيقية شديدة التنوع، ثم جاءت «أنت الحب» و« فكروني» و« هذه ليلتي» و« أغداً ألقاك» و« دارت الأيام»، وقد استقبلت استقبالاً جيداً، لكنها لا تقارن بأغنيات زكريا أحمد أو السنباطي.
ومن بين ألحان السنباطي لأم كلثوم صارت «الأطلال» من أحب أغانيها إلى الناس وهي من شعر الدكتور إبراهيم ناجي، بعد تعديلات أم كلثوم على النصين الأصليين، «الأطلال» و«الوداع».
إنها قصة مطربة ناجحة في مجتمع يتصف بطبيعته المركبة، ولذا فهي قصة متعددة الأوجه، إنها قصة فتاة ريفية كبرت لتصير رمزاً لأمة كاملة، وهي أيضاً قصة امرأة تؤدي عملها الذي احترفته باقتدار، امرأة اعتمد نجاحها في مجال عملها على بذل جهد مضن لكي تشق مساراً لنفسها وسط الأعراف والمؤسسات الموسيقية السائدة.
وقد وجدت أم كلثوم وسائل التعبير للتأثير والتحكم في الأعراف والمؤسسات التي كان لها صلة باشتغالها بالغناء، وكان غناؤها ينظر إليه على أنه مثال معاصر جدير بأن يحتذى لفن عربي قديم يحظى باحترام عميق.

::طباعة::