ثاني ما ألف من كتب التعازي في تاريخ الأدب العربي، وأولها: كتاب التعازي للمدائني المتوفى سنة 225هـ وهو شيخ المبرد، وقد أعجب المبرد إعجاباً كبيراً به ونقل عنه نقولاً كثيرة، ألف المبرد الكتاب تخليداً لذكرى صديقه: القاضي أبي إسحق إسماعيل بن إسحق الأزدي، قاضي القضاة ببغداد، وبذلك يكون تاريخ تأليف الكتاب هو تاريخ وفاة القاضي سنة 282هـ واستغرق في إملائه سنة وبضعة أشهر، إذ يقول في آخره: (وقد أتى للقاضي رحمه الله أكثر من حول، فكان الفراغ منه إذاً سنة 284هـ أي قبل وفاة المبرد بعامين). طبع الكتاب أول مرة في دمشق سنة 1976م بتحقيق محمد الديباجي، معتمداً نسخة الأسكوريـال، ويعود تاريخها إلى سنة 563هـ ونسخة الرباط المجلوبة إلى خزانتها من الزاوية الناصرية بتمكروت (جنوب المغرب) وقد كتبت بالكرك المحروس سنة 757هـ وجلبت إلى الزاوية الناصرية سنة 1076هـ وموضوع الكتاب ظاهر في عنوانه، وهو أدب العزاء والرثاء، ساق فيه المبرد مجموعة من عيون المراثي، ومواعظ وخطباً وأقوالاً مأثورة، ووصايا متناقلة، واعتنى فيه بأخبار بعض من أصاب الموت أعزاءهم فتجلدوا، أو جزعوا، والذين أوتوا الحكمة وحسن الخطاب فعرفوا كيف يخففون من وطأة الحزن عن الذين فجعهم الموت بمن يحبون، ولا يخفى ما يلزم أدب التعازي والمراثي من الحنكة والرقة، وأن القصائد الخالدات الكبرى في الشعر العربي كانت من هذا المعين السيال، وفي (البيان والتبيين) للجاحظ: (سئل أعرابي: ما أجود الشعر عندكم? قال: ما رثينا به آباءنا وأولادنا، ذلك أنا نقولها وأكبادنا تحترق)، وفي (المحاسن والمساوئ) للبيهقي: (كانت بنو أمية لا تقبل الراوية إلا أن يكون راوية للمراثي، قيل: ولم ذلك? قيل: لأنها تدل على مكارم الأخلاق).

::طباعة::