الكثير من الباحثين أشاروا إلى أن فكر برس كان ينطلق من فرضية أساسية هي اتصال الكون وهي فرضية تستلزم نتيجة طبيعية هي انتظام الكون وبالطبع إن هذه الفرضية ليست من اختراع برس لأن كثيراً من التيارات الفكرية القديمة والمعاصرة وخصوصاً الأفلاطونيات والفيثاغوريات قالوا بها ولعل ما يمكن استشفافه بسهولة وبوضوح في كتابات برس الأولى أنه كان في البداية فيلسوفاً ميتافيزيقياً بحتاً إلا أن كثيراً من كتاباته الأخيرة تشي بأنـه أصبح فيما بعد فيلسوفاً واقعياً وذرائعياً ومع ذلك فإنه يمكن القول إنه حافظ على هذه الفرضية ولكنه تخلى عن أبعادها الاسمية فجعلها مجرد افتراض تشييد علائق وترابطات واتصالات وهذا ما أكده بعض الباحثين ومنهم ماكس فيتش حينما أوضح أن الترابط ليس مذهباً ميتافيزيقياً مطلقاً ونـهائياً ولكنه مبدأ منطقي منظم معين لصنف الفرضية التي يجب أن تعالج وبالتالي قد يمكن الفهم وفقاً لهذه الفكرة أن برس لم يتأثر بالكسمولوجية الأفلاطونية وفرضياتـها وإنما تأثر بإجراءاتـها الرياضية وبالطبع إن هذا ليس صحيحاً بإطلاق..

بكل الأحوال إن ما يهمنا هنا هو أن مفهوم الاتصال ومفهوم الانتظام ومفهوم الترابط يستند إلى تصور كوسمولوجي معين يرى أن أي شيء يمكن أن يُـجَزأ بحسب مرتبته ومنزلته في النسق العام وتبعاً لـهذا يمكن البداية من المجرد والانتهاء بالمحسوس وهذا هو شأن الميتافيزيقا القديمة حيث الوجود المجرد والوجود في عالم الأذهان والوجود في عالم الأعيان أو عالم الشيء في ذاته وعالم الظواهر، وإذا تبنى هذه المفاهيم فإنه بـدأ بالمحسوس وباليومي المستند إلى الإدراك الإنساني وإلى دور المجتمع والتراضـي في قبول الأشياء الحسية والمعنوية وإن انتهى إلى نوع من المطلق، وبالتالي إن ميتافيزيقا برس تجمع بين ما في الأذهان وبين ما في الأعيان وبين ما في الأذهان وبين ما في الأبدان وهذا الجمع هو ما أطلق عليه بعض الباحثين اسم المنهاج الظاهراتي الذرائعي فهو ظاهراتي من حيث إنه يعتبر الظاهرة بأنها هي كل ما هو حاضر في الذهن بطريقة ما أو بأي معنى دون اعتبار ما إذا كان مناسباً لشيء واقعي أو غير مناسب له وهو ذرائعي من حيث إنه يتخذ الغاية والمنفعة والعادة والمجتمع منطلقات لخلق الرموز والقوانين فهذه المنهاجية يمتزج فيها الفكري بالواقعي والتأملات الذهنية بالملاحظة المباشرة والمستمرة.

::طباعة::