عندما تتوافر الإرادة والمهارة والحافز على العمل والإنجاز، ويتم ترتيب الحصول على التمويل لبدء مشروع جديد، تكون الصدمة الأولى من عدم وجود تسهيلات حقيقية، ولاسيما بالحصول على الترخيص المناسب للعمل، وأمام هذه الصخرة تتحطم الكثير من الآمال والطموحات، وتعود الدائرة إلى نقطة الصفر، وليست هي المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تعلو بها التنهيدات حتى لتصل القلوب من فرط القهر إلى الحناجر من أسوأ كابوس إداري، ولعل لدينا مشكلة في السمع والإنصات لمعاناة أصحاب المشاريع الجديدة! فعملية الحصول على الترخيص الإداري أو المهني من أصعب المراحل التي تمر فيها المشاريع، حيث يطلب من المستثمر في بداية تقديم أوراقه لكي يحصل على ترخيص إداري (موافقة مبدئية) تفيد بأنه لا مانع من إقامة المشروع، ولكنه يصطدم بعدد كبير من الطلبات والإجراءات التي لا يستطيع في معظم الأحيان تلبيتها لأمور خارجة عن إرادته..
وأمام كثرة التعقيدات لا يجد صاحب المشروع مفراً من تكليف معقب المعاملات بإنجاز هذا الترخيص ما يعني البدء بعملية فساد واستنزاف مالي لصاحب المشروع الذي غالباً ما يكون قد حصل على قرض صغير ودفعة نقدية أولى للبدء بعمله الجديد، لكن لابد من وسيط للحصول على الموافقات للأوراق الرسمية والثبوتيات لاجتياز أصعب امتحان أمام حاجز لجنة مشكّلة من خمسة أعضاء في المحافظة (الصحة- البيئة- الحريق- الخدمات) وضرورة زيارة كل عضو وحده، ناهيك بالوقت الطويل الضائع ما بين الكشف والآخر، إضافة إلى تأمين سيارة لكل عضو من الأعضاء السابقين ذهاباً وإياباً.
وقد يمتد زمن الحصول على الترخيص إلى أكثر من ستة أشهر ما يقرب من فترات سداد القرض الذي يكون شرط الحصول عليه أساسياً للبدء برحلة الترخيص للمشروع ضمن ما يسمى الجدوى الاقتصادية!!
بعد كل هذه الدوامة تظهر الأحجار الكبيرة في طريق المستثمر من قبيل الحصول على ساعة الكهرباء فقد ينتظر ثلاثة أشهر بحجة عدم وجود عدادات ثم مرحلة إبلاغ البلدية، وتالياً قيامها بإشهار المشروع لدى المختار مدة ثلاثة أشهر حتى يستطيع من يمكن أن يتضرر أن يتقدم بشكواه إلى البلدية!!
وحتى هذا الحين يكون صاحب المشروع قد حصل على دفعتين من القرض، والسؤال: ماذا يمكن أن يحدث لو تقدّم أحدهم بالشكوى أو الاعتراض على المشروع بعد سحب دفعتين من القرض؟ فكيف يمكن تسديد قيمة القرض؟ ربما كان على صاحب المشروع بيع كل ما يملك لتسديد المبلغ! ومن هنا فإن الدعوة إلى قيام مشاريع صغيرة ومتوسطة ليست كلمة تُقال ملء الفم فقط، إنها إجراءات حقيقية وملموسة لمد يد العون لصاحب المشروع ودعمه بالاحتياجات والتسهيلات والموافقات، وتوفير وقته وماله، ووضعه على السكة لينطلق بعمله الجديد على سكة الإعمار.

::طباعة::