خصصت الفرقة السيمفونية الوطنية السورية بقيادة قائدها الأساسي المايسترو ميساك باغبودريان القسم الأول من حفلها الذي اقيم مؤخراً في دار الأسد للثقافة والفنون – أوبرا دمشق لمجموعة من أعمال العبقري فولفغانغ أماديوس موتزارت، هذه الأعمال الموسيقية التي جمعت بين اللطف في الشكل والعمق في التعبير، وكتبت باسلوب التلوين النغمي ومرونة القوالب، تبتعد قليلاً عن الطابع الرومانتيكي، إذ يكبح فيها موتزارت جماح المأساة بشكل عام برزانة وهدوء، ويخلصها من مظاهر استجداء التعاطف والشفقة وذلك بألق وفتنة من خلال اظهار القوة والمباشرة.
بدأت الأمسية بافتتاحية أوبرا «زواج فيغارو» وكان موتزارت قد ألف هذه الأوبرا سنة 1786، وهي مقتبسة من مسرحية بومارشيه، أعطى موتزارت بالتعاون مع الكاتب لورنزو دابونتي للشخصيات طابعاً أكثر بهاء ومرحاً وإنسانية، مما هي عليه في النص الأصلي، كما أعطى للعنصر الدرامي أهمية أكثر مما نجد في بعض أوبراته الاخرى منها دون جيوفاني التي عدّها موسيقيو العصر الرومانتيكي أفضل أعماله الأوبرالية.. واختارت سيمفونيتنا أيضاً بأمسيتها هذه ثلاث أغانٍ من الأوبرا ذاتها، الأولى ثنائية «سوزانا وفيغارو» أدتها كل من «كريستيانا اسحق ومخائيل تادرس»، والثانية أغنية «سوزانا» أدتها كريستيانا اسحق، وقدم مخائيل تادرس الأغنية الثالثة «فيغارو»، واحتوى القسم الأول من الحفل أيضاً، أغنيتين من أوبرا «هكذا يفعلن كلهن» وهما أغنية ديسبينا أدتها كارمن توكمه جي، وثنائية دور ابيللا وفيور ديليجي، نفذتها توكمه جي واسحق.
يبتعد موتزارت قليلاً في «هكذا يفعلن كلهن» عن الحبكة الدرامية، ليركز اهتمامه على كتابة سيل عذب من الموسيقا الإلهية الرائعة الجمال وربما تكون هذه الأوبرا هي أكثر أعماله شاعرية. وتتماشى مع النص الشعري المرح الذي كتبه دابونتي. تدور أحداثها عموماً حول عدم وفاء المرأة أو إخلاصها في حبها، وأنهن سواسية في التقلب العاطفي، وموسيقاها وألحانها تفيضان بالرقة والدلال والخفة، كما تتميز بسرعة الحركة المسرحية.. في القسم الثاني من الحفل برعت الفرقة السيمفونية السورية في أداء افتتاحية أوبرا «دون باسكواله» لغيتانو دونيزينتي، حيث الجمل اللحنية المتصاعدة لتصل إلى ذروتها في الميزور الأخير، واستطاعت الفرقة أن تصنع حواراً محبوكاً بين الآلات الوترية حيناً، وكامل الآلات الموسيقية حيناً آخر ولاسيما أن هذا العمل مملوء بالتلوين الأوركسترالي، وقوي هارمونياً، وقائم على انتقالات سريعة، ذات خيال تصويري وعاطفي خصب، إذ برعت السيمفونية السورية في الصياغة الاوركسترالية للعمل، وتناولت العناصر الموسيقية بدقة متناهية لتحقيق التقابل بين الآلات الموسيقية بشكل عام.. كما تناوبت الأسماء الغنائية السورية المذكورة في أداء بعض الأغاني من اوبرات متعددة لشتراوس وفيردي وديليب.
عموماً نجح المغنون في أدوارهم وخلقوا انسجاماً واضحاً بينهم وبين الآلات الموسيقية.. وكعادته برع المايسترو باغبودريان في قيادة الأوركسترا وحافظ على السرعة والتجانس العام بين الآلات والأصوات البشرية، مستخدماً لذلك خبرته الطويلة وأسلوبه الذي أخذه من المدرسة الإيطالية حيث درس هناك قيادة الأوركسترا خمس سنوات، ليبطئ ويسرع الأوركسترا كجسد واحد، محافظاً على توازنها الصوتي، ورسم الإيقاعات والجمل اللحنية في الهواء، مذكراً العازفين بأماكن انضمامهم وانفصالهم عن البقية، وطريقة تأويل الجمل.

::طباعة::