لا تشبه صور الخراب، على كثرتها منذ سنوات، ما يذكره السوريون عن مدنهم قبيل الحرب… لاحقاً اختلطت الشوارع بالأبنية، وتراكمت الطوابق فوق بعضها، حتى اختفت حارات بأكملها واحتلت مكانها أكوام من بقايا كل شيء. هذا الوجه المفجوع لما كان يوماً «حياة»، لا يفسح مجالاً للسؤال «كيف حدث كل هذا؟»، ولا يعطي بالاً للإجابة، مادام ما حصل قد حصل، وعلى ما يبدو لا مجال لخيارات أخرى سوى القبول بالتحول الجديد، وهو ما تذهب إليه لوحات الفنان أحمد الوعري في معرضه «كَ مكان» في صالة «آرت هاوس».
فكرة التشبيه بين ما توحي به الأعمال وما يحتمل أن يكون «مكاناً» ما، توشك أن تكون معادلاً لكل ما رسمه التشكيلي من شخوص وأشياء، مضيفاً إليها «شريطاً لاصقاً» وهي الفكرة التي بدأها كتجربة أصبحت خطاً فنياً بالنسبة له. هاتان الفكرتان تميزان اللوحات الميّالة للواقعية بشمولية تقطعها خيالات وإيماءات، في معظمها لا تبدو الأمكنة واضحة، عدا عن معالم بعيدة لها، تؤكد استمراريتها في ذوات أبنائها وإن بدا أنهم يعيشون بشكل طبيعي بعيداً عنها، وهنا يفعل الشريط اللاصق فعله، كما في لوحة عن «طوبة باب»، يحملها الشريط، كأنه يعيدها إلى مكان انتمت إليه يوماً ما، وفي «الكرسي» الواقف على رجل واحدة، تسندها بعض تفاحات، تربطه عدة أشرطة بأيدٍ وأقدام تطير في الهواء دونما أرض ثابتة تقف عليها!. يظهر «الكرسي» ثانية، ضاماً هذه المرة امرأة شابة، يلفها الشريط ذاته، والذي يأتي أحياناً أقرب لـ «قيد» منه إلى «شريط»، وهو ما ينطبق على لوحة رسمها الفنان لنفسه، يزيح فيها اللاصق معادلاً لـ «العبء» عن وجهه ورقبته، في لوحة أخرى يصبح الشريط «زناراً» صالحاً للرقص!.
التوليفة التي يقدمها أحمد تنطلق من تأثّره بخسارات عديدة، تركت آثارها داخله كالأمكنة التي تترك فينا نتفاً منها، بعض خساراته تركت جسراً وبعضها ترك حديقةً وشارعاً ثم تجمعت وأصبحت مدينة، لعلَ من شاهدناهم في لوحاته، هم أناسها وسكانها، رغم ما يقوله بأنه يختصر أناس مدينته المتعبين وكلّ أنقاضها.
هذا الانتقال بين الخاص والعام، أظهره أحمد بلا مواربة في تعريفه عن معرضه الفردي الرابع، مع أن اللوحات تنحاز للعام أكثر، بما فيها من إيحاءات عن ضياع أصاب المدن وسكانها على طول البلاد. يقول أحمد «المدن المرسومة سوريّة، في حمص وحماة وحلب وغيرها، كلنا ننتمي إليها»، وهو ما تقوله بقايا ملامحها في المعرض أيضاً، ولأن الصور نتاج عام ونصف عامٍ مضيا، فهي تعيد تشكيل أحداث مرّت خلالهما، كالسكينة مع اختفاء كثير من مظاهر الحرب، أو الخلفية السوداء كذاكرتنا التي يصعب عليها التعاطي مع الهدوء الجديد كأنّ شيئاً لم يحدث، كذلك الإضاءة المركزة على تفاصيل في الأجساد المرسومة، كالضغط على جرح لم يلتئم بعد، وربما لن يلتئم أبداً.
يتفرد أحمد الوعري، إلى حد كبير، بمحاولته إضفاء الجدّة على الواقعية، ومع أنه لا يستطيع دائماً إزاحة الجمود عنها لكنه ينجح في إضافة تفاصيل وجزئيات تحرّك الأقفال التي أُحكمت عليها لزمن طويل، من دون أن يكون التجريد حلاً يسهل اعتماده كلما أراد أحدهم البحث عن خصوصية، ليست متاحة للجميع.

::طباعة::