والوطن سورية لها من الأهمية الجيوسياسية المكانة الأهم، ما جعلها عرضة للتأثيرات الإقليمية والعالمية، لما للعلاقة التبادلية بين الموقع الجغرافي ومسار الأحداث السياسية واستخداماته لتنفيذ المآرب السياسية والاقتصادية للدول الطامعة أبداً لتحقيق المكاسب العدوانية من تأثير.
ما تعرضت له سورية كان حرباً لم يشهد التاريخ مثيلاً لها، فقد تجاوزت في مدّتها وضراوتها وعدد الدول المشاركة فيها كلاً من الحربين العالميتين الأولى والثانية، لكن سورية (الوطن) قاومت، وظلّت متمسكة بهويتها وأصالتها وحقوقها المشروعة، لتنتصر حتى قبل إعلان النصر الناجز مادام الشعب السوري بكل مقوّماته وقطاعاته وفعالياته المجتمعية، صمم، وبإصرار، على تحقيق المواطنة والمشاركة في النصر السوري، وضرب مرتكزات الإرهاب والإرهابيين، وتجميع الطاقات والموارد الذاتية، ساند ذلك، وبكل عزيمة، قدرة الدولة السورية على إدارة الأزمة منذ بداية الحرب، إضافة لما حققته الدبلوماسية السورية التي استطاعت مع حلفائها تحويل المنابر الدولية والمؤتمرات من «جنيف» إلى «أستانا» و«سوتشي» إلى أشرس منبر للدفاع عن القضية السورية، ولاسيما بعد انفضاح نيّات الدول والعصابات المتآمرة التي باتت في مأزق كبير يزداد تأزمه يوماً بعد يوم، لتكسب سورية (الوطن) المعارك كلّها، الداخلية والخارجية والميدانية أيضاً ببسالة مؤسسة عسكرية، ولتثبت أحقيّة الشعب السوري وحده في تقرير مصيره من مبدأ السيادة الوطنية، ولتشكّل بهذا الجسد الدبلوماسي والسياسي والعسكري والشعبي، حيث هؤلاء جميعاً شركاء في المصير والوطن؛ انتكاسة للمشروعات الغربية، ولتولد من سورية معالم نظام عالمي جديد، «بتكاليف حرب كانت باهظة جداً، وستتحملها الأجيال القادمة، ولكن في المقابل أصبح لدينا مجتمع أكثر تجانساً وأكثر توحداً»، لأن «إرادة الحياة عند السوريين هي أحد أهم عوامل صمود سورية» السيد الرئيس بشار الأسد.
و«لأن الضربات التي لاتقتلني .. تقوي ظهري» عمر المختار
ورغم حرب السنوات السبع، وما يرافقها اليوم من تطوّرات لها متغيرات جذرية تنطوي على احتمالات كثيرة، لكنها لا تلغي الخيارات القائمة، التي تم التعبير عنها بتغيير الخطابات السياسية، التي تحاول الخروج من النفق المظلم والصراع السلبي لتصحيح المسار بخطى سيكون لها تأثير إذا ما أخذ طريقه من اللغة الخطابية إلى التنفيذ بجدية ومسؤولية سياسية، مع التأكيد على أن القضية ليست مرتبطة فقط بالعمل السياسي، بقدر ما هي مرتبطة بوقف دعم الإرهاب والإرهابيين.
ورغم ما دفعناه من أثمان غالية، لكننا اليوم أقوى وأصلب عوداً، فالمحن، كما يعلمنا التاريخ وتجاربه، هي التي تقوي الدولة وتزيدها خبرة وصلابة، وسورية تشهد اليوم الخطوات الأولى والسريعة لنهوض بدأت ملامحه بالظهور، لأن التحوّلات المفصلية في مسار الحرب باتت خلف ظهورنا، والدولة السورية بدأت بمرحلة التعافي والعمل على إعادة الإعمار، ولأن الدولة السورية تؤمن بأن المواطن السوري الذي تحمّل ما لا يتحمّله إنسان في تاريخ الصراعات، وبقي صامداً، يستحق تحقيق الآمال والأحلام ما بعد الأمن والسلام في محاربة الفاسدين والمفسدين الذين استغلّوا ظروف الحرب وانشغال الدولة بسمت الميدان العسكري، محاربتهم تماماً كما لو كانوا شكلاً من تداعيات الإرهاب، ليلقى الشارع السوري نقلة نوعية في حياته المعيشية، والعمل على مشروع نهضوي وتنموي مستقل يحاكي طموح المواطن السوري، ويخلق مناعة فكرية أساسها المعرفة، وتتبنى شعارات وطنية وقيماً وأخلاقيات متناسقة مع مشروع النصر والإعمار.
لأن الوطن يعلو ولا يُعلى عليه، ولأن سورية فوق الجميع.

m.albairak@gmail.com

::طباعة::