في مرحلة ثقيلة من العمر يصبح السؤال عن الأصدقاء مشروعاً يومياً نتبادل نوادره مع من ينتظر دوره في طابور الرحيل، هكذا يصبح الغائب حاضراً، والحاضر رهين غيمة تنتظر أن تلامس قاع البئر متى أتيحت لها فرصة الولاء لشغف غير مستحب!!..
– في ملحمة «جلجامش» يصبح موت «أنكيدو» محفزاً للارتقاء بالفكرة إنسانياً وعمرانياً..
– كتب «إبراهيم الجرادي» قبل موته بثلث قرن ونيف: «وعشية الجنوح في ملاعب الغبطة والموت، تنحدر الانتهاكات إلى العنق، فينفذ صراخ الوطن منها غباراً،وحمى، وادعاءات، عليَّ إذاً أن أجنح، أو أن أعلن موتي وموتكم»..
– هل كان «ابراهيم »حينها يستحم بامرأة كما بشر به العنوان الشامل لمجموعته الشعرية الصادرة في دمشق عام 1982؟!!.
– «أنكيدو» طرد وحشيته من خلال الاغتسال بامرأة، فتأنسنت الحدود بعد موته، و«ابراهيم» كان يدعونا للالتحاق بالطقس قبل أن تنتهي الهدنة الـمُستَريبة ما بين صوتنا والآخرين، الآخرين الذين لاحقوه على شكل كوابيس في الرقة، واليمن، وحين انتهت الهدنة بدلوا أصواتهم بالرصاص، فاستعذب الموت تاركاً لنا دموع فاطمة التي لم تأت بنجومها لنتطهر بها، فاطمة المرأة التي ترتفي بالمخاوف حيناً، وحيناً تقول لسُمّارِها استشملوا!، فاطمة.. دورة للفجيعة، أو زهرة للتألق، وهي التعب المتماسك، وتربة السحنة الشاحبة، وهي ظل أعذارنا الدائمة لهذا يعبر الطير سيقان أشجاركم ياهلي، يبتعد، يرتفي بالبلاد التي لا تساومه الرصاصة، يلبس الخوف سترته ياهلي ويزور المدينة، يقيم الأليفون فيها أسابيع أحزانهم، يتشاغل كلّ بقديسه الطوطمي، نازحٌ كلهم، نازح كلكم، نازحٌ كلنا، والمتاريس محفورة في الرؤوس! لكنكَ لم تغلق قلبك في وجه الأنثى يا ابراهيم، وفاطمة لم تأتِ يوم كنت وحيداً في قبو المواطنة والضجر والهتاف، لذلك صنفت نفسك في سجل الخاسرين، فتمكن منكَ السكر والسرطان وتخثر الدم تضامناً مع من طردوك من الرقة واليمن لتمتنع عن النطق، فهل انتصروا؟..
– إبراهيم التقيت معكَ في زمن البحث عن أنثى ومقهى وبضع قصائد نتمكن بها من متابعة ارتشاف آخر نفس من رحيق البن، وغادرتنا في زمن لم يعد لبحثنا معنى، لكن المقهى مازال مغرماً بقصائدك، ومازلنا وفنجان قهوتك مغرمين بانتظار الولاء لشغف غير مستحب!!.

::طباعة::