في ما بعد الحداثة ومع اختلاط الأنواع وتداخل المدارس وتمازجها لم يعد مفهوم الأدب مقصوراً وحكراً على الجليل والسامي والرسمي حيث إن خارطة نفوذه قد تراحبت واغتنت باللغات والأشكال والأنواع وانفتحـت على الضفاف والحواف أي أن مفهوماً حديثاً للأدب بدأ يسد مسد المفهوم الكلاسيكي ويفيض عنه إلا أن الباحث عندما يعمل على إعادة الاعتبار للهامشي وينزع عنه وصمة الصغار والدونية هو بهذا الفعل يعلي من شأنه ويرفع من وزنه على حساب الأدب السامي والنخبوي والمتعالي.

وبالتالي إن كان للعرب من ديوان في السابق فلا بد أن صفحات هذا الديوان أمام هذا الفعل قد تبدلت وجرى “طمس” الشعر فيها لتحل محله فنون أخرى ومنها الأغنية والنكتة ومنها أيضاً ممارسات المجتمع في عاداته وأعرافه وحكاياته وطرائق معاشه في اللباس والتبادلات السلوكية ومنها وجوه المتعة والتنفيس الجماهيري في الألعاب وخاصة ما هو مسيطر منها ومهيمن مثل كرة القدم، حتى أن مفهوم الإبداع أصبح ومع هذه التبدلات ينفتح على امبراطورية من العلامات الشاسعة بما في ذلك معارض الأزياء وموائد الطعام وملاعب الكرة، إلا أنه يجب التنبه جيداً لما يمكن أن يحدث إن لم يكن هو ما يحدث الآن بالفعل وهو أن تسيطر هذه المظاهر السلوكية وهذه الفنون الشعبية بالمطلق على المشهد الثقافي فتزيح الشعر عن سدته وهو الذي كان في محل الذروة والقمة من الإبداع.

print